۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الزخرف، آية ١٤

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ١٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَنشَرۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ ١١ وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡفُلۡكِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مَا تَرۡكَبُونَ ١٢ لِتَسۡتَوُۥاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ رَبِّكُمۡ إِذَا ٱسۡتَوَيۡتُمۡ عَلَيۡهِ وَتَقُولُواْ سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِينَ ١٣ وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ١٤ وَجَعَلُواْ لَهُۥ مِنۡ عِبَادِهِۦ جُزۡءًاۚ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ مُّبِينٌ ١٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ الّذِى نَزّلَ مِنَ السمَاءِ مَاءَ بِقَدَرٍ فَأَنشرْنَا بِهِ بَلْدَةً مّيْتاً كَذَلِك تخْرَجُونَ (11) وَ الّذِى خَلَقَ الأَزْوَجَ كلّهَا وَ جَعَلَ لَكم مِّنَ الْفُلْكِ وَ الأَنْعَمِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَستَوُا عَلى ظهُورِهِ ثُمّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا استَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَ تَقُولُوا سبْحَنَ الّذِى سخّرَ لَنَا هَذَا وَ مَا كنّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَ إِنّا إِلى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ (14) وَ جَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً إِنّ الانسنَ لَكَفُورٌ مّبِينٌ (15)

اللغة

يقال أنشر الله الخلق فنشروا أي أحياهم فحيوا قال الأعشى:

{لو أسندت ميتا إلى نحرها --- عاش و لم ينقل إلى قابر} {حتى يقول الناس مما رأوا --- يا عجبا للميت الناشر}

الإقران الإطاقة يقال أقرنت لهذا البعير أي أطقته.

المعنى

ثم أكد سبحانه ما قدمه بقوله «و الذي نزل من السماء ماء» أي غيثا و مطرا «بقدر» أي بقدر الحاجة لا زائدا عليها فيفسد و لا ناقصا عنها فيضر و لا ينفع و في ذلك دلالة على أنه واقع من قادر مختار قد قدره على ما تقتضيه الحكمة لعلمه بذلك «فأنشرنا» أي فأحيينا «به» أي بذلك المطر «بلدة ميتا» أي جافة يابسة بإخراج النبات و الأشجار و الزروع و الثمار «كذلك» أي مثل ما أخرج النبات من الأرض اليابسة «تخرجون» من قبوركم يوم البعث «و الذي خلق الأزواج كلها» يعني أزواج الحيوان من ذكر و أنثى و قيل معناه خلق الأشكال جميعها من الحيوان و الجماد فمن الحيوان الذكر و الأنثى و من غير الحيوان مما هو كالمقابل كالحلو و المر و الرطب و اليابس و غير ذلك و قيل الأزواج الشتاء و الصيف و الليل و النهار و الشمس و القمر و السماء و الأرض و الجنة و النار عن الحسن «و جعل لكم من الفلك» أي السفن «و الأنعام» من الإبل و البقر عن سعيد بن جبير و قيل الإبل «ما تركبون» في البحر و البر «لتستووا على ظهوره» بين سبحانه أن الغرض في خلق ما ذكر لتستووا على ظهور ما جعل لكم فالضمير في ظهوره يعود إلى لفظ ما «ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه» فتشكروا على تلك النعمة التي هي تسخير ذلك المركب «و تقولوا» معترفين بنعمه منزهين له عن شبه المخلوقين «سبحان الذي سخر لنا هذا» المركب أي ذلله لنا حتى ركبناه

«و ما كنا له مقرنين» أي مطيقين مقاومين في القوة «و إنا إلى ربنا لمنقلبون» أي و لتقولوا أيضا ذلك و معناه و إنا إلى الله راجعون في آخر عمرنا على مركب آخر و هو الجنازة قال قتادة قد علمكم كيف تقولون إذا ركبتم و روي عن ابن عمر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا استوى على بعيره خارجا في سفر كبر ثلاثا و قال «سبحان الذي سخر لنا هذا و ما كنا له مقرنين و إنا إلى ربنا لمنقلبون» اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر و التقوى و العمل بما ترضى اللهم هون علينا سفرنا و اطو عنا بعده اللهم أنت الصاحب في السفر و الخليفة في الأهل و المال اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر و كآبة المنقلب و سوء المنظر في الأهل و المال و إذا رجع قال آئبون تائبون لربنا حامدون أورده مسلم في الصحيح و روى العياشي بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال ذكر النعمة أن تقول الحمد لله الذي هدانا للإسلام و علمنا القرآن و من علينا بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و تقول بعده «سبحان الذي سخر لنا هذا» إلى آخره ثم رجع سبحانه إلى ذكر الكفار الذين تقدم ذكرهم فقال «و جعلوا له من عباده جزءا» أي نصيبا يعني حكموا بأن بعض عباده و هم الملائكة له أولاد و معنى الجعل هنا الحكم و هذا معنى قول ابن عباس و مجاهد و الحسن قالوا زعموا أن الملائكة بنات الله قال الزجاج قد أنشد بعض أهل اللغة بيتا يدل على أن معنى جزء معنى الإناث و هو:

إن أجزأت حرة يوما فلا عجب

قد تجزىء الحرة المذكار أحيانا أي أنثت و قيل أن معناه و جعلوا لله من مال عباده نصيبا فيكون كقوله و جعلوا لله مما ذرأ من الحرث و الأنعام نصيبا فحذف المضاف «إن الإنسان لكفور مبين» أي جاحد لنعم الله مظهر لكفره غير مستتر به.