۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة فصلت، آية ٥٣

التفسير يعرض الآيات ٥١ إلى ٥٤

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٖ ٥١ قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرۡتُم بِهِۦ مَنۡ أَضَلُّ مِمَّنۡ هُوَ فِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ٥٢ سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ أَوَلَمۡ يَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٥٣ أَلَآ إِنَّهُمۡ فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمۡۗ أَلَآ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطُۢ ٥٤

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ إِذَا أَنْعَمْنَا عَلى الانسنِ أَعْرَض وَ نَئَا بجَانِبِهِ وَ إِذَا مَسهُ الشرّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (51) قُلْ أَ رَءَيْتُمْ إِن كانَ مِنْ عِندِ اللّهِ ثُمّ كفَرْتم بِهِ مَنْ أَضلّ مِمّنْ هُوَ فى شِقَاقِ بَعِيدٍ (52) سنرِيهِمْ ءَايَتِنَا فى الاَفَاقِ وَ فى أَنفُسِهِمْ حَتى يَتَبَينَ لَهُمْ أَنّهُ الحَْقّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّك أَنّهُ عَلى كلِّ شىْءٍ شهِيدٌ (53) أَلا إِنهُمْ فى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنّهُ بِكلِّ شىْءٍ محِيط (54)

المعنى

ثم أخبر سبحانه عن جهل الإنسان الذي تقدم وصفه بمواقع نعم الله

سبحانه فقال «و إذا أنعمنا على الإنسان أعرض» عن الشكر «و نأى بجانبه» أي بعد بجانبه تكبرا و تجبرا عن الاعتراف بنعم الله تعالى و من قرأ ناء فإنه مقلوب من نأى كما في قول الشاعر:

{أقول و قد ناءت بها غربة النوى}

نوى خيتعور: لا تشط ديارك «و إذا مسه الشر» أي الضر أو الفقر أو المرض «فذو دعاء عريض» أي فهو ذو دعاء كثير عند ذلك عن السدي و إنما قال «فذو دعاء عريض» و لم يقل طويل لأنه أبلغ فإن العرض يدل على الطول و الطول لا يدل على العرض إذ قد يصح طويل و لا عرض له و لا يصح عريض و لا طول له فإن العرض الانبساط في خلاف جهة الطول و الطول الامتداد في أي جهة كان و في الآية دلالة على بطلان مذهب أهل الجبر القائلين بأنه ليس لله على الكافر نعمة فإن الله سبحانه أخبر بأنه ينعم على الكافر و أنه يعرض عن موجبها من الشكر و المراد بالآية أن الكافر يسأل ربه بالتضرع و الدعاء أن يكشف ما به من الضر و البلاء و يعرض عن الدعاء في الرخاء «قل» يا محمد «أ رأيتم إن كان» القرآن «من عند الله» و قيل إن كان هذا الإنعام من عند الله «ثم كفرتم به» و جحدتموه «من أضل ممن هو في شقاق بعيد» أي في خلاف للحق بعيد عنه و هو أنتم و الشقاق و المشاقة الميل إلى شق العداوة أي فلا أحد أضل منكم «سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم» اختلف في معناه على أقوال ( أحدها ) أن المعنى سنريهم حججنا و دلائلنا على التوحيد في آفاق العالم و أقطار السماء و الأرض من الشمس و القمر و النجوم و النبات و الأشجار و البحار و الجبال و في أنفسهم و ما فيها من لطائف الصنعة و بدائع الحكمة «حتى يتبين لهم» أي يظهر لهم «أنه الحق» أي أن الله هو الحق عن عطاء و ابن زيد ( و ثانيها ) إن معناه سنريهم آياتنا و دلائلنا على صدق محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و صحة نبوته في الآفاق أي بما يفتح من القرى عليه و على المسلمين في أقطار الأرض و في أنفسهم يعني فتح مكة عن السدي و الحسن و مجاهد و قالوا هو ظهور محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) على الآفاق و على مكة حتى يعرفوا أن ما أتى به من القرآن حق و من عند الله لأنهم بذلك يعرفون أنه مؤيد من قبل الله تعالى بعد أن كان واحدا لا ناصر له ( و ثالثها ) أن المراد بقوله «في الآفاق» وقائع الله في الأمم «و في أنفسهم» وقعة يوم بدر عن قتادة ( و رابعها ) أن معناه سنريهم آياتنا في

الآفاق بصدق ما كان يخبرهم به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الحوادث فيها و في أنفسهم يعني ما كان بمكة من انشقاق القمر حتى يعلموا أن خبره حق من قبل الله سبحانه ( و خامسها ) أن المراد سنريهم آثار من مضى من قبلهم ممن كذب الرسل من الأمم و آثار خلق الله في كل البلاد و في أنفسهم من أنهم كانوا نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما ثم كسيت لحما ثم نقلوا إلى التمييز و العقل و ذلك كله دليل على أن الذي فعله واحد ليس كمثله شيء عن الزجاج «أ و لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد» موضع قوله «بربك» رفع و المعنى أ و لم يكف ربك و «أنه على كل شهيد» في موضع رفع أيضا على البدل و إن حملته على اللفظ فهو في موضع جر و المفعول محذوف و تقديره أ و لم يكف شهادة ربك على كل شيء و معنى الكفاية هنا أنه سبحانه بين للناس ما فيه كفاية من الدلالة على توحيده و تصحيح نبوة رسله قال مقاتل معناه أ و لم يكف ربك شاهدا أن القرآن من عند الله و قيل معناه أ و لم يكف ربك لأنه على كل شيء شهيد أي عليم بالأشياء شاهد لجميعها لا يغيب عنه شيء «ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم» ألا كلمة تنبيه و تأكيد أن الكفار في شك من لقاء ثواب ربهم و عقابه أي في شك من مجازاة ربهم و في هذا تسفيه لهم في إضافة العبث إلى الله «ألا إنه بكل شيء محيط» أي أحاط علمه بكل شيء فلا يخفى عليه شيء.