۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة غافر، آية ٥٨

التفسير يعرض الآيات ٥٦ إلى ٦٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡ إِن فِي صُدُورِهِمۡ إِلَّا كِبۡرٞ مَّا هُم بِبَٰلِغِيهِۚ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ٥٦ لَخَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَكۡبَرُ مِنۡ خَلۡقِ ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٧ وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَلَا ٱلۡمُسِيٓءُۚ قَلِيلٗا مَّا تَتَذَكَّرُونَ ٥٨ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ ٥٩ وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ٦٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

إِنّ الّذِينَ يجَدِلُونَ فى ءَايَتِ اللّهِ بِغَيرِ سلْطنٍ أَتَاهُمْ إِن فى صدُورِهِمْ إِلا كبرٌ مّا هُم بِبَلِغِيهِ فَاستَعِذْ بِاللّهِ إِنّهُ هُوَ السمِيعُ الْبَصِيرُ (56) لَخَلْقُ السمَوَتِ وَ الأَرْضِ أَكبرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَ لَكِنّ أَكثرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (57) وَ مَا يَستَوِى الأَعْمَى وَ الْبَصِيرُ وَ الّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ وَ لا الْمُسىءُ قَلِيلاً مّا تَتَذَكّرُونَ (58) إِنّ الساعَةَ لاَتِيَةٌ لا رَيْب فِيهَا وَ لَكِنّ أَكثرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (59) وَ قَالَ رَبّكمُ ادْعُونى أَستَجِب لَكمْ إِنّ الّذِينَ يَستَكْبرُونَ عَنْ عِبَادَتى سيَدْخُلُونَ جَهَنّمَ دَاخِرِينَ (60)

القراءة

قرأ أهل الكوفة «تتذكرون» بالتاء و الباقون بالياء و قرأ أبو جعفر و ابن كثير و أبو بكر غير الشموني و سهل سيدخلون بضم الياء و فتح الخاء و الباقون بفتح الياء و ضم الخاء.

الحجة

التاء على قل لهم قليلا ما تتذكرون و الياء على أن الكفار قليلا ما يتذكرون و قوله «سيدخلون» الوجه في القراءتين ظاهر.

النزول

نزل قوله «إن الذين يجادلون في آيات الله» الآية في اليهود لأنهم كانوا يقولون سيخرج المسيح الدجال فنعينه على محمد و أصحابه و نستريح منهم و يرد الملك إلينا عن أبي العالية.

المعنى

ثم قال سبحانه «إن الذين يجادلون» أي يخاصمون «في آيات الله» أي في دفع آيات الله و إبطالها «بغير سلطان» أي حجة «أتيهم» الله إياها يتسلط بها على إنكار مذهب يخالف مذهبهم «إن في صدورهم إلا كبر» أي ليس في صدورهم إلا عظمة و تكبر على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و جبرية «ما هم ببالغيه» أي ما هم ببالغي مقتضى تلك العظمة لأن الله تعالى مذلهم و قيل معناه كبر بحسدك على النبوة التي أكرمك الله بها ما هم ببالغيه لأن الله تعالى يرفع بشرف النبوة من يشاء و قيل ما هم ببالغي وقت خروج الدجال «فاستعذ بالله» من شر اليهود و الدجال و من جميع ما يجب الاستعاذة منه «إنه هو السميع» لأقوال هؤلاء «البصير» بضمائرهم و في هذا تهديد لهم فيما أقدموا عليه ثم قال

سبحانه «لخلق السماوات و الأرض» مع عظمهما و كثرة أجزائهما و وقوفهما بغير عمد و جريان الفلك و الكواكب من غير سبب «أكبر» أي أعظم و أهول في النفس «من خلق الناس» و إن كان خلق الناس عظيما بما فيه من الحياة و الحواس المهياة لأنواع مختلفة من الإدراكات «و لكن أكثر الناس لا يعلمون» لعدولهم عن الفكر فيه و الاستدلال على صحته و المعنى أنهم إذا أقروا بأن الله تعالى خلق السماء و الأرض فكيف أنكروا قدرته على إحياء الموتى و لكنهم أعرضوا عن التدبر فحلوا محل الجاهل الذي لا يعلم شيئا «و ما يستوي الأعمى و البصير» أي لا يستوي من أهمل نفسه و من تفكر فعرف الحق شبه الذي لا يتفكر في الدلائل بالأعمى و الذي يستدل بها بالبصير «و الذين آمنوا و عملوا الصالحات و لا المسيء» أي و ما يستوي المؤمنون الصالحون و لا الكافر الفاسق في الكرامة و الإهانة و الهدى و الضلال «قليلا ما تتذكرون» يجوز أن تكون ما مزيدة و يجوز أن تكون مصدرية فيكون تقديره قليلا تذكرهم أي قل نظرهم فيما ينبغي أن ينظروا فيه مما دعوا إليه «إن الساعة» يعني القيامة «لآتية» أي جائية واقعة «لا ريب فيها» أي لا شك في مجيئها «و لكن أكثر الناس لا يؤمنون» أي لا يصدقون بذلك لجهلهم بالله تعالى و شكهم في إخباره «و قال ربكم ادعوني أستجب لكم» يعني إذا اقتضت المصلحة إجابتكم و كل من يسأل الله شيئا و يدعوه فلا بد أن يشترط المصلحة في ذلك إما لفظا أو إضمارا و إلا كان قبيحا لأنه ربما كان داعيا بما يكون فيه مفسدة و لا يشترط انتفاؤها فيكون قبيحا و قيل معناه وحدوني و اعبدوني أثبكم عن ابن عباس و يدل عليه قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الدعاء هو العبادة و لما عبر عن العبادة بالدعاء جعل الإثابة استجابة ليتجانس اللفظ «إن الذين يستكبرون عن عبادتي» و دعائي «سيدخلون جهنم داخرين» أي صاغرين ذليلين و في الآية دلالة على عظم قدر الدعاء عند الله تعالى و على فضل الانقطاع إليه و قد روى معاوية بن عمار قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) جعلني الله فداك ما تقول في رجلين دخلا المسجد جميعا كان أحدهما أكثر صلاة و الآخر دعاء فأيهما أفضل قال كل حسن قلت قد علمت و لكن أيهما أفضل قال أكثرهما دعاء أ ما تسمع قول الله تعالى «ادعوني أستجب لكم» إلى آخر الآية و قال هي العبادة الكبرى و روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في هذه الآية قال هو الدعاء و أفضل العبادة الدعاء و روى حنان بن سدير عن أبيه قال قلت لأبي جعفر أي العبادة أفضل قال ما من شيء أحب إلى الله من أن يسأل و يطلب ما عنده و ما أحد أبغض إلى الله عز و جل ممن يستكبر عن عبادته و لا يسأل ما عنده.