۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الزمر، آية ٢٤

التفسير يعرض الآيات ٢١ إلى ٢٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَلَكَهُۥ يَنَٰبِيعَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ حُطَٰمًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢١ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦۚ فَوَيۡلٞ لِّلۡقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٢ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ ٢٣ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجۡهِهِۦ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَقِيلَ لِلظَّٰلِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٢٤ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

أَ لَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ أَنزَلَ مِنَ السمَاءِ مَاءً فَسلَكَهُ يَنَبِيعَ فى الأَرْضِ ثُمّ يخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مخْتَلِفاً أَلْوَنُهُ ثمّ يَهِيجُ فَترَاهُ مُصفَرّا ثُمّ يجْعَلُهُ حُطماً إِنّ فى ذَلِك لَذِكْرَى لأُولى الأَلْبَبِ (21) أَ فَمَن شرَحَ اللّهُ صدْرَهُ لِلاسلَمِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِّن رّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَسِيَةِ قُلُوبهُم مِّن ذِكْرِ اللّهِ أُولَئك فى ضلَلٍ مّبِينٍ (22) اللّهُ نَزّلَ أَحْسنَ الحَْدِيثِ كِتَباً مّتَشبِهاً مّثَانىَ تَقْشعِرّ مِنْهُ جُلُودُ الّذِينَ يخْشوْنَ رَبهُمْ ثمّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللّهِ ذَلِك هُدَى اللّهِ يهْدِى بِهِ مَن يَشاءُ وَ مَن يُضلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23) أَ فَمَن يَتّقِى بِوَجْهِهِ سوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَ قِيلَ لِلظلِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ (24) كَذّب الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَاب مِنْ حَيْث لا يَشعُرُونَ (25)

اللغة

الينابيع جمع ينبوع و هو الموضع الذي ينبع منه الماء يقال نبع الماء من موضع كذا إذا فار منه و الزرع ما ينبت على غير ساق و الشجر ما له ساق و أغصان و النبات يعم الجميع و هاج النبت يهيج هيجا إذا جف و بلغ نهايته في اليبوسة و الحطام فتات التبن و الحشيش و الحطم الكسر للشيء اليابس و منه سميت جهنم حطمة لأنها تكسر كل شيء و منه الحطيم بمكة قال النضر لأن البيت رفع و ترك ذلك محطوما و هو حجر الكعبة مما يلي الميزاب.

الإعراب

«أ فمن شرح الله صدره» من مع صلته مبتدأ و الخبر محذوف تقديره أ فمن شرح الله صدره كمن قسا قلبه من ذكر الله أي من ترك ذكر الله لأن القلب إنما يقسو من ترك ذكر الله و يجوز أن يكون تشمئز عند ذكر الله فيقال قست من ذكر الله أي من ذكر الناس الله.

كتابا منصوب لأنه بدل من قوله «أحسن الحديث».

المعنى

لما قدم سبحانه ذكر الدعاء إلى التوحيد عقبه بذكر دلائل التوحيد فقال يخاطب نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) و إن كان المراد جميع المكلفين «أ لم تر أن الله أنزل من السماء ماء» أي مطرا «فسلكه» أي فأدخل ذلك الماء «ينابيع في الأرض» مثل العيون و الأنهار و القني و الآبار و نظيره قوله و أنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض «ثم يخرج به» أي بذلك الماء من الأرض «زرعا مختلفا ألوانه» أي صنوفه من البر و الشعير و الأرز و غير ذلك يقال هذا لون من الطعام أي صنف و قيل مختلف الألوان من أخضر و أصفر و أبيض و أحمر «ثم يهيج» أي يجف و ييبس «فتريه مصفرا» بعد خضرته «ثم يجعله حطاما» أي رفاتا منكسرا متفتتا «إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب» معناه إن في إخراج هذه الزروع ألوانا مختلفة بماء واحد و نقلها من حال إلى حال لتذكيرا لذوي العقول السليمة إذا تكفروا في ذلك عرفوا الصانع المحدث و علموا صحة الابتداء و البعث و الإعادة «أ فمن شرح الله صدره للإسلام» أي فسح صدره و وسع قلبه لقبول الإسلام و الثبات عليه و شرح الصدر يكون بثلاثة أشياء ( أحدها ) بقوة الأدلة التي نصبها الله تعالى و هذا يختص به العلماء ( و الثاني ) بالألطاف التي تتجدد له حالا بعد حال كما قال سبحانه و الذين اهتدوا زادهم هدى ( و الثالث ) بتوكيد الأدلة و حل الشبهة و إلقاء الخواطر «فهو على نور» أي على دلالة و هدى «من ربه» شبه الأدلة بالنور لأن بها يعرف الحق كما بالنور تعرف أمور الدنيا عن الجبائي و قيل النور كتاب الله عز و جل فيه نأخذ و إليه ننتهي عن قتادة و حذف كمن هو قاسي القلب يدل على المحذوف قوله «فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله» و هم الذين ألفوا الكفر و تعصبوا له و تصلبت قلوبهم حتى لا ينجع فيها وعظ و لا ترغيب و لا ترهيب و لا ترق عند ذكر الله و قراءة القرآن عليه «أولئك في ضلال» أي عدول عن الحق «مبين» أي ظاهر واضح «الله نزل أحسن الحديث» يعني القرآن سماه الله حديثا لأنه كلام الله و الكلام سمي حديثا كما يسمى كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حديثا و لأنه حديث التنزيل بعد ما تقدمه من الكتب المنزلة على الأنبياء و هو أحسن الحديث لفرط فصاحته و لإعجازه و اشتماله على جميع ما يحتاج المكلف إليه من التنبيه على أدلة التوحيد و العدل و بيان أحكام الشرع و غير ذلك من المواعظ و قصص الأنبياء و الترغيب و الترهيب «كتابا متشابها» يشبه بعضه بعضا و يصدق بعضه بعضا ليس فيه اختلاف و لا تناقض و قيل معناه أنه يشبه كتب الله المتقدمة و إن كان أعم و أجمع و أنفع و قيل متشابها في حسن النظم و جزالة اللفظ و جودة المعاني «مثاني» سمي بذلك لأنه يثني فيه بعض القصص و الأخبار و الأحكام و المواعظ بتصريفها في ضروب البيان و يثني أيضا في التلاوة فلا يمل لحسن

مسموعة «تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم» أي تأخذهم قشعريرة خوفا مما في القرآن من الوعيد «ثم تلين جلودهم و قلوبهم إلى ذكر الله» إذا سمعوا ما فيه من الوعد بالثواب و الرحمة و المعنى أن قلوبهم تطمئن و تسكن إلى ذكر الله الجنة و الثواب فحذف مفعول الذكر للعلم به و روي عن العباس بن عبد المطلب أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها و قال قتادة هذا نعت لأولياء الله بنعتهم الله بأن تقشعر، جلودهم و تطمئن قلوبهم إلى ذكر الله و لم ينعتهم بذهاب عقولهم و الغشيان عليهم إنما ذلك في أهل البدع و هو من الشيطان «ذلك» يعني القرآن «هدى الله يهدي به من يشاء» من عباده بما نصب فيه من الأدلة و هم الذين آتاهم القرآن من أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الجبائي و قيل يهدي به من يشاء من الذين اهتدوا به إنما خصهم بذلك لأنهم المنتفعون بالهداية و من لم يهتد لا يوصف بأنه هداه الله إذ ليس معه هداية «و من يضلل الله» عن طريق الجنة «فما له من هاد» أي لا يقدر على هدايته أحد عن الجبائي و قيل معناه من ضل عن الله و رحمته فلا هادي له يقال أضللت بعيري إذا ضل عن أبي مسلم و قيل معناه من يضلله عن زيادة الهدى و الألطاف لأن الكافر لا لطف له «أ فمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة» تقديره أ فحال من يدفع عذاب الله بوجهه يوم القيامة كحال من يأتي آمنا منا لا تمسه النار و إنما قال بوجهه لأن الوجه أعز أعضاء الإنسان و قيل معناه أ من يلقى في النار منكوسا فأول عضو منه مسته النار وجهه عن عطاء و معنى يتقي يتوقى كما قال عنترة:

{إذ يتقون بي الأسنة لم أخم --- عنها و لكني تضايق مقدمي}

أي يقدمونني إلى القتال فيتوقون بي حرها ثم أخبر سبحانه عما يقوله خزنة النار للكفار بقوله «و قيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون» أي جزاء ما كسبتموه من المعاصي ثم أخبر سبحانه عن أمثال هؤلاء الكفار من الأمم الماضية فقال «كذب الذين من قبلهم» بآيات الله و جحدوا رسله «فأتاهم العذاب» عاجلا «من حيث لا يشعرون» أي و هم آمنون غافلون.

النظم

إنما اتصل قوله «أ فمن شرح الله صدره» بما تقدم من ذكر أدلة التوحيد و العدل التي إذا تفكر فيها العاقل انشرح صدره و اطمأنت نفسه إلى ثلج اليقين و اتصل قوله «الله نزل

أحسن الحديث» بما تقدمه من قوله فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أي فإن أحسن الحديث القرآن فهو أولى بالإتباع عن أبي مسلم و اتصل قوله «أ فمن يتقي بوجهه سوء العذاب» بما قبله على تقديره فمن لم يهتد بهدى الله لا يهتدي و كيف يهتدي بغيره من يتقي بوجهه سوء العذاب يعني المقيم على كفره.