۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة ص، آية ٥٧

التفسير يعرض الآيات ٥٥ إلى ٦١

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

هَٰذَاۚ وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٖ ٥٥ جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَا فَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٥٦ هَٰذَا فَلۡيَذُوقُوهُ حَمِيمٞ وَغَسَّاقٞ ٥٧ وَءَاخَرُ مِن شَكۡلِهِۦٓ أَزۡوَٰجٌ ٥٨ هَٰذَا فَوۡجٞ مُّقۡتَحِمٞ مَّعَكُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِهِمۡۚ إِنَّهُمۡ صَالُواْ ٱلنَّارِ ٥٩ قَالُواْ بَلۡ أَنتُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِكُمۡۖ أَنتُمۡ قَدَّمۡتُمُوهُ لَنَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ٦٠ قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَٰذَا فَزِدۡهُ عَذَابٗا ضِعۡفٗا فِي ٱلنَّارِ ٦١

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

هَذَا وَ إِنّ لِلطغِينَ لَشرّ مَئَابٍ (55) جَهَنّمَ يَصلَوْنهَا فَبِئْس المِْهَادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَ غَساقٌ (57) وَ ءَاخَرُ مِن شكلِهِ أَزْوَجٌ (58) هَذَا فَوْجٌ مّقْتَحِمٌ مّعَكُمْ لا مَرْحَبَا بهِمْ إِنهُمْ صالُوا النّارِ (59) قَالُوا بَلْ أَنتُمْ لا مَرْحَبَا بِكمْ أَنتُمْ قَدّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْس الْقَرَارُ (60) قَالُوا رَبّنَا مَن قَدّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فى النّارِ (61)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر «غساق» بالتشديد حيث كان في القرآن و الباقون بالتخفيف و قرأ أهل البصرة و أخر بضم الألف و الباقون «آخر» على التوحيد.

الحجة

قال أبو علي أما الغساق بالتشديد فلا يخلو أن يكون اسما أو وصفا فالاسم لا يجيء على هذا الوزن إلا قليلا نحو الكلأ و الفدان و الجبان فينبغي أن يكون وصفا قد

أقيم مقام الموصوف و الأحسن أن لا تقام الصفة مقام الموصوف إلا أن تكون صفة قد غلبت نحو العبد و الأبطح و الأبرق و القراءة بالتخفيف أحسن من حيث ذكرنا و من قرأ و أخر على الجمع كان أخر مبتدأ و «من شكله» في موضع صفته أي من ضربه و أزواج خبر المبتدأ لأنه جمع كالمبتدأ و قد وصفت النكرة فحسن الابتداء بها و الضمير في شكله يعود إلى قوله «حميم» و يجوز أن يكون المعنى من شكل ما ذكرناه و من قرأ «و آخر» على الإفراد فآخر يرتفع بالابتداء في قول سيبويه و فيه ذكر مرفوع عنده و بالظرف في قول أبي الحسن و لا ذكر في الظرف لارتفاع الظاهر به فإن لم تجعل آخر مبتدأ في هذا الوجه خاصة قلت أنه يكون ابتداء بالنكرة فلا أحمل على ذلك و لكن لما قال «حميم و غساق» دل هذا الكلام على أن لهم حميما و غساقا فحمل المعطوف على المعنى فجعل لهم المدلول عليه خبرا آخر فهو قول و كان التقدير لهم عذاب آخر من شكله أزواج فيكون من شكله في موضع الصفة و يكون ارتفاع أزواج به في قول سيبويه و أبي الحسن و لا يجوز أن يجعل قوله «من شكله أزواج» في قول من قرأ و أخر على الجمع وصفا و يضمر الخبر كما فعلت ذلك في قول من وحد لأن الصفة لا يرجع منها ذكر إلى الموصوف أ لا ترى أن أزواج إذا ارتفع بالظرف لم يجز أن يكون فيه ذكر مرفوع و الهاء التي للإفراد لا ترجع إلى الجمع في الوجه البين فتحصل الصفة بلا ذكر يعود منها إلى الموصوف و أما امتناع أخر من الصرف في النكرة فللعدل و الوصف فمعنى العدل فيه أن هذا النحو لا يوصف به إلا بالألف و اللام و استعملت أخر بلا ألف و لام فصارت بذلك معدولة عن الألف و اللام.

اللغة

المهاد الفراش الموطإ يقال مهدت له تمهيدا مثل وطأت له توطئة و الحميم الحار الشديد الحرارة و منه الحمى لشدة حرارتها و الغساق قيح شديد النتن يقال غسقت القرحة تغسق غسوقا و قيل هو مشتق من الغسق و هو السواد و الظلمة أي هو على ضد ما يراد في الشراب من الضياء و الرقة عن أبي مسلم و منه يقال ليل غاسق و غسقت عينه أظلمت و أغسق المؤذن المغرب أخره إلى الظلمة و الشكل بفتح الشين الضرب المتشابة و الشكل بالكسر النظير في الحسن و هو الدل أيضا و الاقتحام الدخول في الشيء بشدة و صعوبة قال أبو عبيدة قولهم لا مرحبا به أي لا رحبت عليه الأرض.

و قال القتيبي قولهم مرحبا بك أي أتيت رحبا و سعة قال النابغة:

{لا مرحبا بغد و لا أهلا به --- إن كان تفريق الأحبة في غد}

الإعراب

هذا مبتدأ و حميم خبره و غساق معطوف عليه و «فليذوقوه» خبر بعد خبر

و التقدير هذا حميم و غساق فليذوقوه و يجوز أن يكون «هذا فليذوقوه» مبتدأ و خبر و حميم خبر مبتدإ محذوف أي هو حميم و يجوز أن يكون هذا في موضع نصب بفعل مضمر يفسره هذا الظاهر.

المعنى

لما بين سبحانه أحوال أهل الجنة و ما أعد لهم من جزيل الثواب عقبه ببيان أحوال أهل النار و ما لهم من أليم العذاب فقال «هذا» أي ما ذكرناه للمتقين ثم ابتدأ فقال «و إن للطاغين» الذين طغوا على الله و كذبوا رسله «لشر مآب» و هو ضد مآب المتقين ثم فسر ذلك فقال «جهنم يصلونها» أي يدخلونها فيصيرون صلاء لها «فبئس المهاد» أي فبئس المسكن و بئس المهد «هذا فليذوقوه حميم و غساق» أي هذا حميم و غساق فليذوقوه عن الفراء و الزجاج و قيل معناه هذا الجزاء للطاغين فليذوقوه و أطلق عليه لفظ الذوق لأن الذائق يدرك الطعم بعد طلبه فهو أشد إحساسا به و الحميم الماء الحال و الغساق البارد الزمهرير عن ابن مسعود و ابن عباس فيكون المعنى أنهم يعذبون بحار الشراب الذي انتهت حرارته و ببارد الذي انتهت برودته فيبرده يحرق كما يحرق النار و قيل أن الغساق عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذات حمة من حية و عقرب عن كعب و قيل هو ما يسيل من دموعهم يسقونه مع الحميم عن السدي و قيل هو القيح الذي يسيل منهم يجمع و يسقونه عن ابن عمر و قتادة و قيل هو عذاب لا يعلمه إلا الله عن الحسن «و آخر» أي و ضروب أخر «من شكله» أي من شكل هذا العذاب و جنسه «أزواج» أي ألوان و أنواع متشابهة في الشدة لا نوع واحد «هذا فوج مقتحم معكم» هاهنا حذف أي يقال لهم هذا فوج و هم قادة الضلالة إذا دخلوا النار ثم يدخل الأتباع فيقول الخزنة للقادة هذا فوج أي قطع من الناس و هم الأتباع مقتحم معكم في النار دخلوها كما دخلتم عن ابن عباس و قيل يعني بالأول أولاد إبليس و بالفوج الثاني بني آدم أي يقال لبني إبليس بأمر الله تعالى هذا جمع من بني آدم مقتحم معكم يدخلون النار و عذابها و أنتم معهم عن الحسن «لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار» أي لا اتسعت لهم أماكنهم لأنهم لازموا النار فيكون المعنى على القول الأول أن القادة و الرؤساء يقولون للأتباع لا مرحبا بهؤلاء أنهم يدخلون النار مثلنا فلا فرح لنا في مشاركتهم إيانا فيقول الأتباع لهم «قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم» أي لا نلتم رحبا و سعة «أنتم قدمتموه لنا» أي حملتمونا على الكفر الذي أوجب لنا هذا العذاب و دعوتمونا إليه و أما على القول الثاني أن أولاد إبليس يقولون لا مرحبا بهؤلاء قد ضاقت أماكننا بهم إذ كانت النار مملوءة منا فليس لنا منهم إلا ضيق في شدة و هذا كما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن النار تضيق عليهم كضيق الزج

بالرمح «قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم» أي يقول بنو آدم بل لا كرامة لكم أنتم شرعتموه لنا و زينتموه في نفوسنا «فبئس القرار» الذي استقررنا عليه «قالوا ربنا من قدم لنا هذا» أي يدعون عليهم بهذا إذا حصلوا في نار جهنم أي من سبب لنا هذا العذاب و دعانا إلى ما استوجبنا به ذلك «فزده عذابا ضعفا» أي مثلا مضاعفا إلى مثل ما يستحقه «في النار» أحد الضعفين لكفرهم بالله و الضعف الآخر لدعائهم إيانا إلى الكفر.