۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة ص، آية ٤

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

صٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ذِي ٱلذِّكۡرِ ١ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٖ وَشِقَاقٖ ٢ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٖ ٣ وَعَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡۖ وَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ ٤ أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ ٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ ص وَ الْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ (1) بَلِ الّذِينَ كَفَرُوا فى عِزّةٍ وَ شِقَاقٍ (2) كمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوا وّ لات حِينَ مَنَاصٍ (3) وَ عجِبُوا أَن جَاءَهُم مّنذِرٌ مِّنهُمْ وَ قَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا سحِرٌ كَذّابٌ (4) أَ جَعَلَ الاَلهَِةَ إِلَهاً وَحِداً إِنّ هَذَا لَشىْءٌ عجَابٌ (5)

القراءة

في الشواذ قراءة أبي بن كعب و الحسن و ابن أبي إسحاق صاد بكسر الدال و قراءة الثقفي صاد بفتح الدال و القراءة بالوقف و هو الصحيح لأن حروف الهجاء يوقف عليها و قراءة عيسى بن عمرو و أبي عبد الرحمن السلمي عجاب بتشديد الجيم.

الحجة

من كسر فلاجتماع الساكنين أو لأنه جعله من المصاداة و هي المعارضة أي عارض القرآن بعملك و من فتح فلأن الفتحة أخف من الكسرة و يجوز أن يكون من فتح جعل الصاد علما للسورة فلم يصرفه و العجاب بالتشديد هو المفرط في العجب يقال شيء عجيب ثم عجاب بالتخفيف ثم عجاب بالتشديد كما قالوا رجل وضي و وضاء و أنشدوا:

{و المرء يلحقه بفتيان الندى --- خلق الكريم و ليس بالوضاء}

و قال آخر:

{جاءوا بصيد عجب من العجب --- أزيرق العينين طوال الذنب}

اللغة

الشقاق و المشاقة الخلاف و أصله أن يصير كل واحد من الفريقين في شق أي في جانب و منه يقال شق فلان العصا إذا خالف و المناص من النوص و هو التأخر ناص ينوص إذا تأخر و باص يبوص بالباء إذا تقدم قال امرؤ القيس:

{أ من ذكر ليلى إن نأتك تنوص --- فتقصر عنها خطوة و تبوص}

الإعراب

اختلف في جواب القسم على وجوه ( أحدها ) أن جوابه محذوف فكأنه قال و القرآن ذي الذكر لقد جاء الحق و ظهر الأمر لأن حذف الجواب في مثل هذا أبلغ فإن ذكر الجواب يقصر المعنى على وجه و الحذف يصرف إلى كل وجه فيعم ( و الثاني ) أن جوابه

(صلى الله عليه وآله وسلم) فإن معناه صدق أقسم سبحانه بالقرآن أن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) قد صدق و الله و فعل و الله ( و الثالث ) أن الجواب مما كفى منه قوله «كم أهلكنا» و قيل ما كفى منه «بل الذين كفروا» فكأنه قال و القرآن ذي الذكر ما الأمر كما قالوا و أحدهما عن الفراء و الآخر عن قتادة ( و الرابع ) أن جوابه كم أهلكنا و التقدير لكم أهلكنا فلما طال الكلام حذف اللام و مثله قد أفلح من زكاها و التقدير لقد أفلح عن الفراء و هذا غلط لأن اللام لا تدخل على المفعول و كم مفعول ( و الخامس ) أن الجواب في آخر السورة إن ذلك لحق تخاصم أهل النار إلا أنه بعد من أول الكلام عن الكسائي «و لات حين مناص» فيه قولان ( أحدهما ) أن التاء متصلة بلا و أنهما بمنزلة ليس قال الزجاج و يجوز و لات حين مناص في اللغة فأما النصب فعلى أن المعنى ليس الوقت حين مناص و الرفع على أن يجعل حين اسم ليس و يضمر الخبر و المعنى ليس حين ملجأ لنا و الوقف عليها لات بالتاء و الكسائي يقف بالهاء لاه و الأول أصح لأن هذه التاء نظيرة التاء في الفعل نحو ذهبت و في الحرف نحو رأيت زيدا ثمت عمرا فإنها دخلت في الموضعين على ما لا يعرف و لا هو في طريق الأسماء و قال الأخفش أن لات حين مثل لا رجل في الدار و دخلت التاء في التأنيث قال الشاعر:

{تذكر حب ليلى لات حينا --- و أضحى الشيب قد قطع القرينا}

( و القول الآخر ) أن التاء متصلة بحين كما قال الشاعر:

{العاطفين تحين ما من عاطف --- و المطعمين زمان ما من مطعم}

و قد أجازوا الجر بلات و أنشدوا لأبي زبيد:

{طلبوا صلحنا و لات أوان --- فأجبنا أن ليس حين بقاء}

قال الزجاج و الذي أنشدناه أبو العباس المبرد بالرفع و قد روي بالكسر.

النزول

قال المفسرون أن أشراف قريش و هم خمسة و عشرون منهم الوليد بن المغيرة و هو أكبرهم و أبو جهل و أبي و أمية ابنا خلف و عتبة و شيبة ابنا ربيعة و النضر بن الحارث أتوا أبا طالب و قالوا أنت شيخنا و كبيرنا و قد أتيناك لتقضي بيننا و بين ابن أخيك فإنه سفه أحلامنا و شتم آلهتنا فدعا أبو طالب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و قال يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك فقال ما ذا يسألونني قالوا دعنا و آلهتنا ندعك و إلهك فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) أ تعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب و العجم فقال أبو جهل لله أبوك نعطيك ذلك عشر أمثالها فقال قولوا لا إله إلا الله فقاموا

و قالوا أ جعل الآلهة إلها واحدا فنزلت هذه الآيات و روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) استعبر ثم قال يا عم و الله لو وضعت الشمس في يميني و القمر في شمالي ما تركت هذا القول حتى أنفذه أو أقتل دونه فقال له أبو طالب امض لأمرك فو الله لا أخذلك أبدا.

المعنى

«ص» اختلفوا في معناه فقيل هو اسم للسورة و قيل غير ذلك على ما ذكرناه في أول البقرة و قال ابن عباس هو اسم من أسماء الله تعالى أقسم به و روي ذلك عن الصادق (عليه السلام) و قال الضحاك معناه صدق و قال قتادة هو اسم من أسماء القرآن فعلى هذا يجوز أن يكون موضعه نصبا على تقدير حذف حرف القسم و يجوز أن يكون رفعا على تقدير هذه صاد في مذهب من جعله اسما للسورة «و القرآن ذي الذكر» أي ذي الشرف عن ابن عباس يوضحه قوله و إنه لذكر لك و لقومك و قيل معناه ذي البيان الذي يؤدي إلى الحق و يهدي إلى الرشد لأن فيه ذكر الأدلة التي إذا تفكر فيها العاقل عرف الحق عقلا و شرعا و قيل ذي التذكر لكم عن قتادة و قيل فيه ذكر الله و توحيده و أسماؤه الحسنى و صفاته العلى و ذكر الأنبياء و أخبار الأمم و ذكر البعث و النشور و ذكر الأحكام و ما يحتاج إليه المكلف من الأحكام عن الجبائي و يؤيده قوله ما فرطنا في الكتاب من شيء «بل الذين كفروا» من أهل مكة «في عزة» أي في تكبر عن قبول الحق و حمية جاهلية عن قتادة و يدل عليه قوله أخذته العزة بالإثم و قيل في ملكة و اقتدار و قوة بتمكين الله إياهم «و شقاق» أي عداوة و عصيان و مخالفة لأنهم يأنفون عن متابعتك و يطلبون مخالفتك ثم خوفهم سبحانه فقال «كم أهلكنا من قبلهم من قرن» بتكذيبهم الرسل «فنادوا» عند وقوع الهلاك بهم بالاستغاثة «و لات حين مناص» أي ليس الوقت حين منجى و لا فوت و قيل لات حين نداء ينجي قال قتادة نادى القوم على غير حين النداء «و عجبوا أن جاءهم منذر منهم» أي جاءهم رسول من أنفسهم مخوف من جهة الله تعالى يحذرهم المعاصي و ينذرهم النار «فقال الكافرون هذا ساحر كذاب» حين يزعم أنه رسول الله «أ جعل الآلهة إلها واحدا» هذا استفهام إنكار و تعجيب و ذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبطل عبادة ما كانوا يعبدونه من الآلهة مع الله و دعاهم إلى عبادة الله وحده فتعجبوا من ذلك و قالوا كيف جعل لنا إلها واحدا بعد ما كنا نعبد آلهة «إن هذا» الذي يقوله محمد من أن الإله واحد «لشيء عجاب» لأمر عجيب مفرط في العجب.