۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الصافات، آية ٨

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَٱلصَّٰٓفَّٰتِ صَفّٗا ١ فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجۡرٗا ٢ فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكۡرًا ٣ إِنَّ إِلَٰهَكُمۡ لَوَٰحِدٞ ٤ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَرَبُّ ٱلۡمَشَٰرِقِ ٥ إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِزِينَةٍ ٱلۡكَوَاكِبِ ٦ وَحِفۡظٗا مِّن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ مَّارِدٖ ٧ لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰ وَيُقۡذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٖ ٨ دُحُورٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ وَاصِبٌ ٩ إِلَّا مَنۡ خَطِفَ ٱلۡخَطۡفَةَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٞ ثَاقِبٞ ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ وَ الصفّتِ صفّا (1) فَالزّجِرَتِ زَجْراً (2) فَالتّلِيَتِ ذِكْراً (3) إِنّ إِلَهَكمْ لَوَحِدٌ (4) رّب السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَيْنهُمَا وَ رَب الْمَشرِقِ (5) إِنّا زَيّنّا السمَاءَ الدّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَ حِفْظاً مِّن كلِّ شيْطنٍ مّارِدٍ (7) لا يَسمّعُونَ إِلى الْمَلا الأَعْلى وَ يُقْذَفُونَ مِن كلِّ جَانِبٍ (8) دُحُوراً وَ لهَُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلا مَنْ خَطِف الخَْطفَةَ فَأَتْبَعَهُ شهَابٌ ثَاقِبٌ (10)

القراءة

أدغم أبو عمرو و حمزة التاء في الصاد و في الزاي و في الذال من «الصافات صفا» «فالزاجرات زجرا» «فالتاليات ذكرا» و الذريات ذروا و قرأ أبو عمرو وحده و العاديات ضبحا مدغما فالمغيرات صبحا فالملقيات ذكرا و السابحات سبحا و السابقات سبقا مدغما و ابن عباس لا يدغم شيئا من ذلك و الباقون بإظهار التاء في ذلك كله و قرأ عاصم و حمزة «بزينة» بالتنوين «الكواكب» بالجر و قرأ أبو بكر «بزينة» منونا أيضا الكواكب بالنصب و قرأ الباقون بزينة الكواكب مضافة و قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر «لا يسمعون» بتشديد السين و الميم و الباقون لا يسمعون بالتخفيف.

الحجة

قال أبو علي إدغام التاء في الصاد حسن لمقاربة اللفظين أ لا ترى أنهما من طرف اللسان و أصول الثنايا و يجتمعان في الهمس و المدغم فيه يزيد على المدغم بخلتين هما الإطباق و الصفير و يحسن إدغام الأنقص في الأزيد و لا يجوز أن يدغم الأزيد صوتا في الأنقص صوتا فلهذا يحسن إدغام التاء في الزاي من قوله «فالزاجرات زجرا» لأن التاء مهموسة و الزاي مجهورة و فيها زيادة صفير كما كان في الصاد و كذلك حسن إدغام التاء في الذال في قوله «فالتاليات ذكرا» و الذريات ذروا لاتفاقهما في أنهما من طرف اللسان و أصول الثنايا فأما إدغام التاء في الضاد من قوله تعالى و العاديات ضبحا فإن التاء أقرب إلى الذال و إلى الزاي منهما في الضاد لأن الذال و الزاي و الصاد من حروف طرف اللسان و أصول الثنايا و طرفها و الضاد أبعد منهن لأنها من وسط اللسان و كذلك حسن إدغام التاء فيها لأن الصاد تغشى الصوت بها و اتسع و استطال حتى اتصل صوتها بأصول الثنايا و طرف اللسان فأدغم التاء فيها و سائر حروف طرف اللسان و أصول الثنايا إلا حروف الصفير فإنها لم تدغم في الضاد و لم تدغم الضاد في شيء من هذه الحروف لما فيها من زيادة الصوت فأما الإدغام في السابحات سبحا و السابقات سبقا فحسن لمقاربة الحروف فأما من قرأ بالإظهار في هذه الحروف فلاختلاف المخارج و أما من قرأ «بزينة الكواكب» جعل الكواكب بدلا من الزينة كما تقول مررت بأبي عبد الله زيد و من قرأ الكواكب بالنصب أعمل الزينة في الكواكب و المعنى بأن زينا الكواكب فيها و مثل ذلك أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما.

و من قرأ بزينة الكواكب

أضاف المصدر إلى المفعول كقوله تعالى من دعاء الخير و بسؤال نعجتك و من قرأ «لا يسمعون» فإنما هو لا يتسمعون فأدغم التاء في السين و قد يتسمع و لا يسمع فإذا نفي التسمع عنهم فقد نفي سمعهم من جهة التسمع و من جهة غيره فهو أبلغ و يقال سمعت الشيء و استمعته كما يقال حقرته و احتقرته و شويته و اشتويته و قد قال تعالى و إذا قرىء القرآن فاستمعوا له و قال و منهم من يستمع إليك فعدي الفعل مرة بالي و مرة باللام و حجة من قرأ يسمعون قوله إنهم عن السمع لمعزولون.

اللغة

قال أبو عبيدة كل شيء بين السماء و الأرض لم يضم قطريه فهو صاف و منه الطير صافات إذا نشرت أجنحتها و الصافات جمع الجمع لأنه جمع صافة و الزجر الصرف عن الشيء لخوف الذم و العقاب.

المارد الخارج إلى الفساد العظيم و هو من وصف الشياطين و هم المردة و أصله الانجراد و منه الأمرد فالمارد المنجرد من الخير.

الدحور الدفع بالعنف يقال دحر يدحر دحرا و دحورا.

و الواصب الدائم الثابت قال أبو الأسود:

{لا أشتري الحمد القليل بقاؤه --- يوما بذم الدهر أجمع واصبا}

و الخطفة الاستلاب بسرعة يقال خطفه و اختطفه و الشهاب شعلة نار ساطعة يقال فلان شهاب حرب إذا كان ماضيا و الثاقب المضيء كأنه يثقب بضوئه و منه حسب ثاقب أي شريف.

الإعراب

«حفظا» مصدر فعل محذوف أي زيناها و حفظناها حفظا.

«لا يسمعون» جملة مجرورة الموضع بأنها صفة شيطان «دحورا» مصدر فعل دل عليه «يقذفون» أي يدحرون دحورا.

«إلا من خطف الخطفة» يحتمل أن يكون من خطف في موضع نصب على الاستثناء و العامل فيه ما يتعلق به اللام في لهم عذاب و المستثنى منه هم من لهم و يحتمل أن يكون استثناء منقطعا فيكون من خطف مبتدأ و خبره «فأتبعه شهاب ثاقب».

المعنى

«و الصافات صفا» اختلف في معنى الصافات على وجوه ( أحدها ) أنها الملائكة تصف أنفسها صفوفا في السماء كصفوف المؤمنين في الصلاة عن ابن عباس و مسروق و الحسن و قتادة و السدي ( و ثانيها ) أنها الملائكة تصف أجنحتها في الهواء إذا أرادت النزول إلى الأرض واقفة تنتظر ما يأمرها الله تعالى عن الجبائي ( و ثالثها ) أنهم جماعة من المؤمنين يقومون مصطفين في الصلاة و في الجهاد عن أبي مسلم «فالزاجرات زجرا»

اختلف فيها أيضا على وجوه ( أحدها ) أنها الملائكة تزجر الخلق عن المعاصي زجرا عن السدي و مجاهد و على هذا فإنه يوصل الله مفهومه إلى قلوب العباد كما يوصل مفهوم إغواء الشيطان إلى قلوبهم ليصح التكليف ( و ثانيها ) أنها الملائكة الموكلة بالسحاب تزجرها و تسوقها عن الجبائي ( و ثالثها ) أنها زواجر القرآن و آياته الناهية عن القبائح عن قتادة ( و رابعها ) أنهم المؤمنون يرفعون أصواتهم عند قراءة القرآن لأن الزجرة الصيحة عن أبي مسلم «فالتاليات ذكرا» اختلف فيها أيضا على أقوال ( أحدها ) أنها الملائكة تقرأ كتب الله تعالى و الذكر الذي ينزل على الموحى إليه عن مجاهد و السدي ( و ثانيها ) أنها الملائكة تتلو كتاب الله الذي كتبه لملائكته و فيه ذكر الحوادث فتزداد يقينا بوجود المخبر على وفق الخبر ( و ثالثها ) جماعة قراء القرآن من المؤمنين يتلونه في الصلاة عن أبي مسلم و إنما لم يقل فالتاليات تلوا كما قال «فالزاجرات زجرا» لأن التالي قد يكون بمعنى التابع و منه قوله و القمر إذا تلاها فلما كان اللفظ مشتركا بينه بما يزيل الإبهام «إن إلهكم لواحد» و هذه أقسام أقسم الله تعالى بها أنه واحد ليس له شريك ثم اختلف في مثل هذه الأقسام فقيل أنها أقسام بالله تعالى على تقدير و رب الصافات و رب الزاجرات و رب التين و الزيتون لأن في القسم تعظيما للمقسم به و لأنه يجب على العباد أن لا يقسموا إلا بالله تعالى إلا أنه حذف لأن حجج العقول دالة على المحذوف عن الجبائي و القاضي و قيل بل أقسم الله سبحانه بهذه الأشياء و إنما جاز ذلك لأنه ينبىء عن تعظيمها بما فيها من الدلالة على توحيده و صفاته العلى فله سبحانه أن يقسم بما شاء من خلقه و ليس لخلقه أن يقسموا إلا به ثم قال سبحانه «رب السماوات و الأرض» أي خالقهما و مدبرهما «و ما بينهما» من سائر الأجناس من الحيوان و النبات و الجماد «و رب المشارق» و هي مشارق الشمس أي مطالعها بعدد أيام السنة ثلاثمائة و ستون مشرقا و المغارب مثل ذلك تطلع الشمس كل يوم من مشرق و تغرب في مغرب عن ابن عباس و السدي و إنما خص المشارق بالذكر لأن الشروق قبل الغروب «إنا زينا السماء الدنيا» يعني التي هي أقرب السماوات إلينا و إنما خصها بالذكر لاختصاصها بالمشاهدة «بزينة الكواكب» أي بحسنها و ضوئها و التزيين تحسين الشيء و جعله على صورة تميل إليها النفس فالله سبحانه زين السماء على وجه تمتع الرائي لها و في ذلك أعظم النعمة على العباد مع ما لهم من المنفعة بالتفكير فيها و الاستدلال بها على صانعها «و حفظا من كل شيطان» أي و حفظناها من كل شيطان «مارد» أي خبيث خال من الخير متمرد و المعنى و حفظناها من دنو كل شيطان للاستماع فإنهم كانوا يسترقون السمع و يستمعون إلى كلام الملائكة و يقولون ذلك إلى ضعفة الجن و كانوا يوسوسون بها في قلوب الكهنة

و يوهمونهم أنهم يعرفون الغيب فمنعهم الله تعالى عن ذلك «لا يسمعون إلى الملأ الأعلى» أي لكيلا يتسمعوا إلى الكتبة من الملائكة في السماء عن الكلبي و قيل إلى كلام الملأ الأعلى أي لكيلا يتسمعوا و الملأ الأعلى عبارة عن الملائكة لأنهم في السماء «و يقذفون من كل جانب» أي يرمون بالشهب من كل جانب من جوانب السماء إذا أرادوا الصعود إلى السماء للاستماع «دحورا» أي دفعا لهم بالعنف و طردا «و لهم عذاب واصب» أي و لهم مع ذلك أيضا عذاب دائم يوم القيامة «إلا من خطف الخطفة» و التقدير لا يتسمعون إلى الملائكة إلا من وثب الوثبة إلى قريب من السماء فاختلس خلسة من الملائكة و استلب استلابا بسرعة «فأتبعه شهاب ثاقب» أي فلحقه و أصابه نار مضيئة محرقة و الثاقب المنير المضيء و هذا كقوله إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين.