۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الصافات، آية ١٠٦

التفسير يعرض الآيات ١٠١ إلى ١١٣

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ ١٠١ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٠٢ فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ ١٠٣ وَنَٰدَيۡنَٰهُ أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ١٠٤ قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٠٥ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ ١٠٦ وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ ١٠٧ وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٠٨ سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ١٠٩ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١١٠ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١١ وَبَشَّرۡنَٰهُ بِإِسۡحَٰقَ نَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٢ وَبَٰرَكۡنَا عَلَيۡهِ وَعَلَىٰٓ إِسۡحَٰقَۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحۡسِنٞ وَظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ مُبِينٞ ١١٣

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

فَبَشرْنَهُ بِغُلَمٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السعْىَ قَالَ يَبُنىّ إِنى أَرَى فى الْمَنَامِ أَنى أَذْبحُك فَانظرْ مَا ذَا تَرَى قَالَ يَأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ستَجِدُنى إِن شاءَ اللّهُ مِنَ الصبرِينَ (102) فَلَمّا أَسلَمَا وَ تَلّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَ نَدَيْنَهُ أَن يَإِبْرَهِيمُ (104) قَدْ صدّقْت الرّءْيَا إِنّا كَذَلِك نجْزِى الْمُحْسِنِينَ (105) إِنّ هَذَا لهَُوَ الْبَلَؤُا الْمُبِينُ (106) وَ فَدَيْنَهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَ تَرَكْنَا عَلَيْهِ فى الاَخِرِينَ (108) سلَمٌ عَلى إِبْرَهِيمَ (109) كَذَلِك نجْزِى الْمُحْسِنِينَ (110) إِنّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَ بَشرْنَهُ بِإِسحَقَ نَبِيّا مِّنَ الصلِحِينَ (112) وَ بَرَكْنَا عَلَيْهِ وَ عَلى إِسحَقَ وَ مِن ذُرِّيّتِهِمَا محْسِنٌ وَ ظالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم ما ذا تري بضم التاء و كسر الراء و الباقون بفتح التاء و الراء و في الشواذ قراءة الأعمش و الضحاك بضم التاء و فتح الراء و روي عن علي (عليه السلام) و ابن مسعود و ابن عباس و مجاهد و الضحاك و الأعمش و جعفر بن محمد فلما سلما بغير ألف و لام مشددة.

الحجة

قال أبو علي من فتح التاء فقال «ما ذا ترى» كان مفعول ترى أحد الشيئين إما أن يكون ما ذا في موضع نصب بأنه مفعول و يكون بمنزلة اسم واحد و إما أن يكون ذا بمنزلة الذي فيكون مفعول ترى الهاء المحذوفة من الصلة و يكون ترى على هذا معناها الرأي و ليس إدراك الحاسة كما تقول فلان يرى رأي أبي حنيفة و إذا جعلت ذا بمعنى الذي صار تقديره ما الذي تراه فيصير ما في موضع ابتداء و الذي في موضع خبره و يكون المعنى ما الذي تذهب إليه فيما ألقيت إليك هل تستسلم له و تتلقاه بالقبول أو تأتي غير ذلك و من قرأ ما ذا تري فيجوز أن يكون ما مع ذا بمنزلة اسم واحد فيكونا في موضع نصب و المعنى أ جلدا ترى على ما تحمل عليه أم خوار أو يجوز أن يكون ما مبتدأ و ذا بمعنى الذي و يعود إليه الذكر المحذوف من الصلة و الفعل منقول من رأى زيد الأمر و أريته الشيء إلا أنه من باب أعطيت فيجوز الاقتصار على أحد المفعولين دون الآخر كما أن أعطيت كذلك و لو ذكرت المفعول الآخر كان أريت زيدا خالدا و قال ابن جني من قرأ ما ذا ترى فالمعنى ما ذا يلقى إليك و يوقع في خاطرك و من قرأ «ما ذا ترى» فالمعنى ما ذا تشير به و تدعو إلى العمل بحسبه و هو من قولك ما رأيك في كذا و منه قوله لتحكم بين الناس بما أراك الله أي بما يحضرك إياه الرأي و الخاطر و أما قوله «أسلما» فمعناه فوضا و أطاعا و أما سلما فمن التسليم أي سلما أنفسهما و أراهما كالتسليم باليد لما أمرا به و لم يخالفا ما أريد منهما من إجماع إبراهيم الذبح و إسحاق أو إسماعيل الصبر.

اللغة

التل الصرع و منه التل من التراب جمعه تلول و التليل العنق لأنه يتل و الجبين ما عن يمين الجبهة و شمالها و للوجه جبينان الجبهة بينهما و الذبح بكسر الذال المهيا لأن يذبح و بفتح الذال المصدر.

الإعراب

اختلف في جواب لما من قوله «فلما أسلما» فقيل هو محذوف و تقديره فلما أسلما و تله للجبين و ناديناه فازا و ظفرا بما أرادا و قيل جوابه ناديناه و الواو زائدة.

نبيا منصوب بأنه حال من «بشرناه» و ذو الحال إسحاق.

المعنى

ثم أخبر سبحانه أنه استجاب لإبراهيم دعاءه بقوله «فبشرناه بغلام حليم» أي بابن وقور عن الحسن قال و ما سمعت الله تعالى نحل عباده شيئا أجل من الحلم و الحليم الذي لا يعجل في الأمر قبل وقته مع القدرة عليه و قيل الذي لا يعجل بالعقوبة قال الزجاج و هذه البشارة تدل على أن الغلام يبقى حتى ينتهي في السن و يوصف بالحلم ثم أخبر سبحانه أن الغلام الذي بشره به ولد له و ترعرع بقوله «فلما بلغ معه السعي» أي شب حتى بلغ سعيه سعي إبراهيم عن مجاهد و المعنى بلغ إلى أن يتصرف و يمشي معه و يعينه على أموره قالوا و كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة و قيل يعني بالسعي العمل لله و العبادة عن الحسن و الكلبي و ابن زيد و مقاتل «قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ترى» معنى رأى في الكلام على خمسة أوجه ( أحدها ) أبصر ( و الثاني ) علم نحو رأيت زيدا عالما ( و الثالث ) ظن كقوله تعالى إنهم يرونه بعيدا و نراه قريبا ( و الرابع ) اعتقد نحو قوله:

{و إنا لقوم ما نرى القتل سبة --- إذا ما رأته عامر و سلول}

( و الخامس ) بمعنى الرأي نحو رأيت هذا الرأي و أما رأيت في المنام فمن رؤية البصر فمعنى الآية أن إبراهيم قال لابنه إني أبصرت في المنام رؤيا تأويلها الأمر بذبحك فانظر ما ذا تراه أو أي شيء ترى من الرأي و لا يجوز أن يكون ترى هاهنا بمعنى تبصر لأنه لم يشر إلى شيء يبصر بالعين و لا يجوز أن يكون بمعنى علم أو ظن أو اعتقد لأن هذه الأشياء تتعدى إلى مفعولين و ليس هنا إلا مفعول واحد مع استحالة المعنى فلم يبق إلا أن يكون من الرأي و الأولى أن يكون الله تعالى قد أوحى إليه في حال اليقظة و تعبده بأن يمضي ما يأمره به في حال نومه من حيث إن منامات الأنبياء لا تكون إلا صحيحة و لو لم يأمره بذلك في حال اليقظة لما كان يجوز أن يعمل على ما يراه في المنام و قال سعيد بن جبير عن ابن عباس منامات الأنبياء وحي و قال قتادة رؤيا الأنبياء حق إذا رأوا شيئا فعلوه و قال أبو مسلم رؤيا الأنبياء مع أن

جميعها صحيحة ضربان ( أحدهما ) أن يأتي الشيء كما رأوه و منه قوله سبحانه لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام الآية ( و الآخر ) أن يكون عبارة عن خلاف الظاهر مما رأوه في المنام و ذلك كرؤيا يوسف الأحد عشر كوكبا و الشمس و القمر ساجدين و كان رؤيا إبراهيم من هذا القبيل لكنه لم يأمن أن يكون ما رآه مما يلزمه العمل به على الحقيقة و لا يسعه غير ذلك فلما أسلما أعلمه الله سبحانه أنه صدق الرؤيا بما فعله و فدى ابنه من الذبح بالذبح «قال يا أبت افعل ما تؤمر» أي ما أمرت به «ستجدني إن شاء الله من الصابرين» أي ستصادفني بمشيئة الله و حسن توفيقه ممن يصبر على الشدائد في جنب الله و يسلم لأمره «فلما أسلما» أي استسلما لأمر الله و رضيا به و أطاعاه و قيل معناه سلم الأب ابنه لله و سلم الابن نفسه لله «و تله للجبين» أي اضطجعه على جبينه عن الحسن و قيل معناه وضع جبينه على الأرض لئلا يرى وجهه فتلحقه رقة الآباء عن ابن عباس و روي أنه قال اذبحني و أنا ساجد لا تنظر إلى وجهي فعسى أن ترحمني فلا تذبحني «و ناديناه أن يا إبراهيم» تقديره ناديناه بأن يا إبراهيم أي بهذا الضرب من القول «قد صدقت الرؤيا» أي فعلت ما أمرت به في الرؤيا «إنا كذلك نجزي المحسنين» أي كما جزيناه بالعفو عن ذبح ابنه نجزي من سلك طريقهما في الإحسان بالاستسلام و الانقياد لأمر الله «إن هذا لهو البلاء المبين» أي إن هذا لهو الامتحان الظاهر و الاختبار الشديد و قيل إن هذا لهو النعمة الظاهرة و تسمى النعمة بلاء بسببها المؤدي إليها كما يقال لأسباب الموت هي الموت لأنها تؤدي إليه و اختلف العلماء في الذبيح على قولين ( أحدهما ) أنه إسحاق و روي ذلك عن علي (عليه السلام) و ابن مسعود و قتادة و سعيد بن جبير و مسروق و عكرمة و عطا و الزهري و السدي و الجبائي و القول الآخر أنه إسماعيل عن ابن عباس و ابن عمر و سعيد بن المسيب و الحسن و الشعبي و مجاهد و الربيع بن أنس و الكلبي و محمد بن كعب القرظي و كلا القولين قد رواه أصحابنا عن أئمتنا (عليهم السلام) إلا أن الأظهر في الروايات أنه إسماعيل و يعضده قوله بعد قصة الذبح «و بشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين» و من قال إنه بشر بنبوة إسحاق فقد ترك الظاهر و لأنه قال في موضع آخر فبشرناها بإسحاق و من وراء إسحاق يعقوب فبشره بإسحاق و بأنه سيولد له يعقوب فكيف يبشره بذرية إسحاق ثم يأمره بذبح إسحاق مع ذلك و قد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال أنا ابن الذبيحين و لا خلاف أنه من ولد إسماعيل و الذبيح الآخر هو عبد الله أبوه و حجة من قال إنه إسحاق أن أهل الكتابين أجمعوا على ذلك و جوابه أن إجماعهم ليس بحجة و قولهم غير مقبول و روى محمد ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي قال كنت عند عمر بن عبد العزيز فسألني عن الذبيح فقلت إسماعيل و استدللت بقوله «و بشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين» فأرسل إلى رجل بالشام

###

كان يهوديا فأسلم و حسن إسلامه و كان يرى أنه من علماء اليهود فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك و أنا عنده فقال إسماعيل ثم قال و الله يا أمير المؤمنين إن اليهود لتعلم ذلك و لكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أبوكم الذي كان من أمر الله فيه ما كان فهم يجحدون ذلك و يزعمون أنه إسحاق لأن إسحاق أبوهم و قال الأصمعي سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح إسحاق أم إسماعيل فقال يا أصمعي أين ذهب عنك عقلك و متى كان إسحاق بمكة و إنما كان بمكة إسماعيل و هو بنى البيت مع أبيه و المنحر بمكة لا شك فيه و قد استدل بهذه الآية من أجاز نسخ الشيء قبل وقت فعله فقال إن الله تعالى نهاه عن ذبحه بعد أن أمره به و قد أجيب عن ذلك بأجوبة ( أحدها ) أنه سبحانه لم يأمر إبراهيم بالذبح الذي هو فري الأوداج و إنما أمره بمقدمات الذبح من الإضجاع و تناول المدية و ما يجري مجرى ذلك و العرب قد تسمي الشيء باسم مقدماته و لهذا قال «قد صدقت الرؤيا» و لو كان أمره بالذبح لكان إنما صدق بعض الرؤيا و أما الفداء بالذبح فلما كان يتوقعه من الأمر بالذبح و لا يمتنع أيضا أن يكون فدية عن مقدمات الذبح لأن الفدية لا يجب أن تكون من جنس المفدي أ لا ترى أن حلق الرأس قد يفدي بدم ما يذبح و كذلك لبس الثوب المخيط و الجماع و غير ذلك ( و ثانيها ) أنه (عليه السلام) إنما أمر بصورة الذبح و قد فعله لأنه فرى أوداج ابنه و لكنه كلما فرى جزءا منه و جاوزه إلى غيره عاد في الحال ملتحما فإن قلت إن حقيقة الذبح هو قطع مكان مخصوص تزول معه الحياة فالجواب أن ذلك غير مسلم لأنه يقال ذبح هذا الحيوان و لم يمت بعد و لو سلمنا أن حقيقة الذبح ذلك لكان لنا أن نحمل الذبح على المجاز للدليل الدال عليه ( و ثالثها ) أن الله تعالى أمره بالذبح إلا أنه سبحانه جعل على عنقه صفحة من نحاس و كلما أمر إبراهيم السكين عليه لم يقطع أو كان كلما اعتمد على السكين انقلب على اختلاف الرواية فيه و هذا التأويل يسوغ إذا قلنا إنه كان مأمورا بما يجري مجرى الذبح و لا يسوغ إذا قلنا إنه أمر بحقيقة الذبح لأنه يكون تكليف لما لا يطاق ثم قال سبحانه «و فديناه بذبح عظيم» الفداء جعل الشيء مكان الشيء لدفع الضرر عنه و الذبح هو المذبوح و ما يذبح و معناه أنا جعلنا الذبح بدلا عنه كالأسير يفدي بشيء و اختلف في الذبح فقيل كان كبشا من الغنم عن ابن عباس و مجاهد و الضحاك و سعيد بن جبير قال ابن عباس هو الكبش الذي تقبل من هابيل حين قربه و قيل فدي بوعل أهبط عليه من ثبير عن الحسن و لم سمي عظيما فيه خلاف قيل لأنه كان مقبولا عن مجاهد و قيل لأن قدر غيره من الكباش يصغر بالإضافة إليه و قيل لأنه رعى في الجنة أربعين خريفا عن سعيد

ابن جبير و قيل لأنه كان من عند الله كونه و لم يكن عن نسل و قيل لأنه فداء عبد عظيم «و تركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين» قد مضى تفسير ذلك «و بشرناه بإسحاق» أي بولادة إسحاق «نبيا من الصالحين» أي ولدا نبيا من جملة الأنبياء الصالحين و هذا ترغيب في الصلاح بأن مدح مثله في جلالته بالصلاح و من قال إن الذبيح إسحاق قال يعني بشرناه بنبوة إسحاق و آتينا إسحاق النبوة بصبره «و باركنا عليه و على إسحاق» أي و جعلنا فيما أعطيناهما من الخير و البركة يعني النماء و الزيادة و معناه و جعلنا ما أعطيناهما من الخير دائما ثابتا ناميا و يجوز أن يكون أراد كثرة ولدهما و بقاءهم قرنا بعد قرن إلى أن تقوم الساعة «و من ذريتهما» أي و من أولاد إبراهيم و إسحاق «محسن» بالإيمان و الطاعة «و ظالم لنفسه» بالكفر و المعاصي «مبين» بين الظلم.

" القصة "

من ذهب إلى الذبيح إسحاق ذكر أن إبراهيم لما فارق قومه مهاجرا إلى الشام هاربا بدينه كما حكى الله سبحانه عنه بقوله إني ذاهب إلى ربي سيهدين دعا الله سبحانه أن يهب له ولدا ذكرا من سارة فلما نزل به أضيافه من الملائكة المرسلين إلى المؤتفكة و بشروه بغلام حليم قال إبراهيم حين بشر به هو إذا له ذبيح فلما ولد الغلام و بلغ معه السعي قيل له أوف بنذرك الذي نذرت فكان هذا هو السبب في أمره (عليه السلام) بذبح ابنه فقال إبراهيم (عليه السلام) عند ذلك لإسحاق انطلق نقرب قربانا لله و أخذ سكينا و حبلا ثم انطلق معه حتى إذا ذهب به بين الجبال قال له الغلام يا أبة أين قربانك فقال: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك إلى آخره عن السدي و قيل إن إبراهيم رأى في المنام أن يذبح ابنه إسحاق و قد كان حج بوالدته سارة و أهله فلما انتهى إلى منى رمى الجمرة هو و أهله و أمر سارة فزارت البيت و احتبس الغلام فانطلق به إلى موضع الجمرة الوسطى فاستشاره في نفسه فأمره الغلام أن يمضي ما أمره الله و سلما لأمر الله فأقبل شيخ فقال يا إبراهيم ما تريد من هذا الغلام قال أريد أن أذبحه فقال سبحان الله تريد أن تذبح غلاما لم يعص الله طرفة عين قط قال إبراهيم إن الله أمرني بذلك قال ربك ينهاك عن ذلك و إنما أمرك بهذا الشيطان فقال إبراهيم لا و الله فلما عزم على الذبح قال الغلام يا أبتا خمر وجهي و شد وثاقي قال إبراهيم يا بني الوثاق مع الذبح و الله لا أجمعهما عليك اليوم و رفع رأسه إلى السماء ثم انحنى عليه بالمدية و قلب جبرائيل المدية على قفاها و اجتر الكبش من قبل ثبير و اجتر الغلام من تحته و وضع الكبش مكان الغلام و نودي من ميسرة مسجد الخيف يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا بإسحاق إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين قال و لحق إبليس بأم الغلام حين زارت البيت

فقال لها ما شيخ رأيته بمنى قالت ذاك بعلي قال فوصيف رأيته قالت ذاك ابني قال فإني رأيته و قد أضجعه و أخذ المدية ليذبحه قالت كذبت إبراهيم أرحم الناس فكيف يذبح ابنه قال فو رب السماء و رب هذه الكعبة قد رأيته كذلك قالت و لم قال زعم أن ربه أمره بذلك قالت حق له أن يطيع ربه فوقع في نفسها أنه قد أمر في ابنها بأمر فلما قضت نسكها أسرعت في الوادي راجعة إلى منى واضعة يديها على رأسها و هي تقول يا رب لا تؤاخذني بما عملت بأم إسماعيل فلما جاءت سارة و أخبرت الخبر قامت إلى ابنها تنظر فرأت إلى أثر السكين خدشا في حلقه ففزعت و اشتكت و كانت بدو مرضها الذي هلكت به رواه العياشي و علي بن إبراهيم بالإسناد في كتابيهما و من قال أن الذبيح إسماعيل فمنهم محمد بن إسحاق بن يسار و ذكر أن إبراهيم كان إذ زار إسماعيل و هاجر حمل على البراق فيغدو من الشام فيقيل بمكة يروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام حتى إذا بلغ معه السعي رأى في المنام أن يذبحه فقال له يا بني خذ الحبل و المدية ثم انطلق بنا إلى هذا الشعب لنحتطب فلما خلا إبراهيم بابنه في شعب ثبير أخبره بما قد ذكره الله عنه فقال يا أبت اشدد رباطي حتى لا اضطرب و اكفف عني ثيابك حتى لا تنتضح من دمي شيئا فتراه أمي و اشحذ شفرتك و أسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون علي فإن الموت شديد فقال له إبراهيم نعم العون أنت يا بني على أمر الله ثم ذكر نحوا مما تقدم ذكره و روى العياشي بإسناده عن بريدة بن معاوية العجلي قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) كم كان بين بشارة إبراهيم (عليه السلام) بإسماعيل (عليه السلام) و بين بشارته بإسحاق قال كان بين البشارتين خمس سنين قال الله سبحانه فبشرناه بغلام حليم يعني إسماعيل و هي أول بشارة بشر الله بها إبراهيم في الولد و لما ولد لإبراهيم إسحاق من سارة و بلغ إسحاق ثلاث سنين أقبل إسماعيل (عليه السلام) إلى إسحاق و هو في حجر إبراهيم فنحاه و جلس في مجلسه فبصرت به سارة فقالت يا إبراهيم ينحي ابن هاجر ابني من حجرك و يجلس هو في مكانه لا و الله لا تجاورني هاجر و ابنها في بلاد أبدا فنحهما عني و كان إبراهيم مكرما لسارة يعزها و يعرف حقها و ذلك لأنها كانت من ولد الأنبياء و بنت خالته فشق ذلك على إبراهيم و اغتم لفراق إسماعيل (عليه السلام) فلما كان في الليل أتى إبراهيم آت من ربه فأراه الرؤيا في ذبح ابنه إسماعيل بموسم مكة فأصبح إبراهيم حزينا للرؤيا التي رآها فلما حضر موسم ذلك العام حمل إبراهيم هاجر و إسماعيل في ذي الحجة من أرض الشام فانطلق بهما إلى مكة ليذبحه في الموسم فبدأ بقواعد البيت الحرام فلما رفع قواعده خرج إلى منى حاجا و قضى نسكه بمنى و رجع إلى مكة فطافا بالبيت أسبوعا ثم انطلقا إلى السعي فلما صارا في المسعى قال إبراهيم (عليه السلام) لإسماعيل (عليه السلام) يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك في موسم عامي هذا فما ذا ترى قال يا

أبت افعل ما تؤمر فلما فرغا من سعيهما انطلق به إبراهيم إلى منى و ذلك يوم النحر فلما انتهى به إلى الجمرة الوسطى و أضجعه لجنبه الأيسر و أخذ الشفرة ليذبحه نودي أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إلى آخره و فدي إسماعيل بكبش عظيم فذبحه و تصدق بلحمه على المساكين و عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سألته عن كبش إبراهيم (عليه السلام) ما كان لونه قال أملح أقرن و نزل من السماء على الجبل الأيمن من مسجد منى بحيال الجمرة الوسطى و كان يمشي في سواد و يأكل في سواد و ينظر في سواد و يبعر في سواد و يبول في سواد و عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سأل عن صاحب الذبح قال هو إسماعيل و عن زياد بن سوقة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سألته عن صاحب الذبح فقال إسماعيل (عليه السلام).