۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة يس، آية ٦٧

التفسير يعرض الآيات ٦٦ إلى ٧٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلَوۡ نَشَآءُ لَطَمَسۡنَا عَلَىٰٓ أَعۡيُنِهِمۡ فَٱسۡتَبَقُواْ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبۡصِرُونَ ٦٦ وَلَوۡ نَشَآءُ لَمَسَخۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمۡ فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مُضِيّٗا وَلَا يَرۡجِعُونَ ٦٧ وَمَن نُّعَمِّرۡهُ نُنَكِّسۡهُ فِي ٱلۡخَلۡقِۚ أَفَلَا يَعۡقِلُونَ ٦٨ وَمَا عَلَّمۡنَٰهُ ٱلشِّعۡرَ وَمَا يَنۢبَغِي لَهُۥٓۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ وَقُرۡءَانٞ مُّبِينٞ ٦٩ لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّٗا وَيَحِقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ لَوْ نَشاءُ لَطمَسنَا عَلى أَعْيُنهِمْ فَاستَبَقُوا الصرَط فَأَنى يُبْصِرُونَ (66) وَ لَوْ نَشاءُ لَمَسخْنَهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا استَطعُوا مُضِيّا وَ لا يَرْجِعُونَ (67) وَ مَن نّعَمِّرْهُ نُنَكسهُ فى الخَْلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ (68) وَ مَا عَلّمْنَهُ الشعْرَ وَ مَا يَنبَغِى لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَ قُرْءَانٌ مّبِينٌ (69) لِّيُنذِرَ مَن كانَ حَيّا وَ يحِقّ الْقَوْلُ عَلى الْكَفِرِينَ (70)

القراءة

قرأ أبو بكر وحده مكاناتهم على الجمع و الباقون على التوحيد و قد تقدم ذكر ذلك و قرأ عاصم و حمزة و سهل «ننكسه» بضم النون الأولى و فتح الثانية و كسر الكاف و تشديدها و قرأ الباقون بضم الكاف و تخفيفها و قرأ أهل المدينة و الشام و يعقوب و سهل لتنذر بالتاء و الباقون بالياء.

الحجة

يقال نكسته و نكسته و أنكسه و أنكسه مثل رددت و رددت غير أن التشديد للتكثير و التخفيف يحتمل القليل و الكثير و من قرأ لتنذر بالتاء فهو خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و من قرأ

بالياء أراد القرآن و يجوز أن يريد لينذر الله.

اللغة

الطمس محو الشيء حتى يذهب أثره فالطمس على العين كالطمس على الكتاب و مثله الطمس على المال و هو إذهابه حتى لا يقع عليه إدراك و أعمى مطموس و طميس و هو أن يذهب الشق الذي بين الجفنين و المسخ قلب الصورة إلى خلقة مشوهة كما مسخ قوم قردة و خنازير.

الإعراب

أنى في محل النصب على الحال من «يبصرون» أو على أنه في معنى مصدره.

المعنى

ثم أخبر سبحانه عن قدرته على إهلاك هؤلاء الكفار الذين جحدوا وحدانيته فقال «و لو نشاء لطمسنا على أعينهم» أي لأعميناهم عن الهدى عن ابن عباس و قيل معناه لتركناهم عميا يترددون عن الحسن و قتادة و الجبائي «فاستبقوا الصراط» أي فطلبوا طريق الحق و قد عموا عنه «فأنى يبصرون» أي فكيف يبصرون عن ابن عباس و قيل معناه فطلبوا النجاة و السبق إليها و لا بصر لهم فكيف يبصرون و قد أعميناهم و قيل طلبوا الطريق إلى منازلهم فلم يهتدوا إليها «و لو نشاء لمسخناهم على مكانتهم» أي على مكانهم الذي هم فيه قعود و المعنى و لو نشاء لعذبناهم بنوع آخر من العذاب فأقعدناهم في منازلهم ممسوخين قردة و خنازير و المكانة و المكان واحد و قيل معناه و لو شئنا لمسخناهم حجارة في منازلهم ليس فيهم أرواحهم «فما استطاعوا مضيا و لا يرجعون» أي فلم يقدروا على ذهاب و لا مجيء لو فعلنا ذلك بهم و قيل معناه فما استطاعوا مضيا من العذاب و لا رجوعا إلى الخلقة الأولى بعد المسخ و هذا كله تهديد هددهم الله به ثم قال سبحانه «و من نعمره ننكسه في الخلق» أي من نطول عمره نصيره بعد القوة إلى الضعف و بعد زيادة الجسم إلى النقصان و بعد الجدة و الطراوة إلى البلى و الخلوقة فكأنه نكس خلقه و قيل ننكسه و نرده إلى حال الهرم التي تشبه حال الصبي في ضعف القوة و عزوب العلم عن قتادة «أ فلا يعقلون» أي أ فلا يتدبرون في أن الله تعالى يقدر على الإعادة كما قدر على ذلك و إنما قال على الخطاب لقوله أ لم أعهد إليكم من قرأ بالياء فالمعنى أ فليس لهم عقل فيعتبروا و يعلموا ذلك ثم أخبر سبحانه عن نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) كيدا لقوله إنك لمن المرسلين فقال «و ما علمناه الشعر» يعني قول الشعراء و صناعة الشعر أي ما أعطيناه العلم بالشعر و إنشائه «و ما ينبغي له» أن يقول الشعر من عند نفسه و قيل معناه ما يتسهل له الشعر و ما كان يتزين له بيت شعر حتى أنه إذا تمثل بيت شعر جرى على لسانه منكسرا كما روي عن الحسن أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتمثل بهذا البيت:

{كفى الإسلام و الشيب للمرء ناهيا}

فقال أبو بكر يا رسول الله إنما قال الشاعر:

{كفى الشيب و الإسلام للمرء ناهيا}

أشهد أنك رسول الله و ما علمك الشعر و ما ينبغي لك و عن عائشة أنها قالت كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتمثل ببيت أخي بني قيس:

{ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا --- و يأتيك بالأخبار من لم تزود}

فجعل يقول:

{يأتيك من لم تزود بالأخبار}

فيقول أبو بكر ليس هكذا يا رسول الله فيقول إني لست بشاعر و ما ينبغي لي فما قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)

{أنا النبي لا كذب --- أنا ابن عبد المطلب}

فقد قال قوم إن هذا ليس بشعر و قال آخرون إنما هو اتفاق منه و ليس بقصد إلى قول الشعر و قيل أن معنى الآية و ما علمناه الشعر بتعليم القرآن و ما ينبغي للقرآن أن يكون شعرا فإن نظمه ليس بنظم الشعر و قد صح أنه كان يسمع الشعر و يحث عليه و قال لحسان بن ثابت لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك «إن هو» أي من الذي أنزلناه عليه «إلا ذكر و قرآن مبين» من عند رب العالمين ليس بشعر و لا رجز و لا خطبة و المراد بالذكر أنه يتضمن ذكر الحلال و الحرام و الدلالات و أخبار الأمم الماضية و غيرها و بالقرآن أنه مجموع بعضه إلى بعض فجمع سبحانه بينهما لاختلاف فائدتهما «لتنذر من كان حيا» أي أنزلناه لتخوف به من معاصي الله من كان مؤمنا لأن الكافر كالميت بل أقل من الميت لأن الميت و إن كان لا ينتفع و لا يتضرر و الكافر لا ينتفع لدينه و يتضرر به و يجوز أن يكون المراد بمن كان حيا عاقلا و روي ذلك عن علي (عليه السلام) و قيل من كان حي القلب حي البصر عن قتادة «و يحق القول على الكافرين» أي يجب الوعيد و العذاب على الكافرين بكفرهم.