۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة فاطر، آية ٣٢

التفسير يعرض الآيات ٣١ إلى ٣٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ هُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِۦ لَخَبِيرُۢ بَصِيرٞ ٣١ ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ ٣٢ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ ٣٣ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَذۡهَبَ عَنَّا ٱلۡحَزَنَۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٞ شَكُورٌ ٣٤ ٱلَّذِيٓ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلۡمُقَامَةِ مِن فَضۡلِهِۦ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٞ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٞ ٣٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ الّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْك مِنَ الْكِتَبِ هُوَ الْحَقّ مُصدِّقاً لِّمَا بَينَ يَدَيْهِ إِنّ اللّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرُ بَصِيرٌ (31) ثمّ أَوْرَثْنَا الْكِتَب الّذِينَ اصطفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَ مِنهُم مّقْتَصِدٌ وَ مِنهُمْ سابِقُ بِالْخَيرَتِ بِإِذْنِ اللّهِ ذَلِك هُوَ الْفَضلُ الْكبِيرُ (32) جَنّت عَدْنٍ يَدْخُلُونهَا يحَلّوْنَ فِيهَا مِنْ أَساوِرَ مِن ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِبَاسهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَ قَالُوا الحَْمْدُ للّهِ الّذِى أَذْهَب عَنّا الحَْزَنَ إِنّ رَبّنَا لَغَفُورٌ شكُورٌ (34) الّذِى أَحَلّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضلِهِ لا يَمَسنَا فِيهَا نَصبٌ وَ لا يَمَسنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35)

القراءة

قرأ أبو عمرو يدخلونها بضم الياء على ما لم يسم فاعله ليشاكل قوله «يحلون» و الباقون بفتح الياء لأنهم إذا أدخلوا فقد دخلوا و قد ذكرنا اختلافهم في «لؤلؤا» في سورة الحج.

اللغة

المقامة الإقامة و موضع الإقامة و إذا فتحت الميم كان بمعنى القيام و موضع القيام قال الشاعر:

{يومان يوم مقامات و أندية --- و يوم سير إلى الأعداء تأويب}

و النصب التعب و فيه لغتان النصب و النصب لغتان كالرشد و الرشد و الحزن و الحزن و اللغوب الإعياء من التعب.

الإعراب

«من الكتاب» في موضع الحال من الضمير المنصوب المحذوف من الصلة و التقدير و الذي أوحيناه إليك كائنا من الكتاب «جنات عدن يدخلونها» خبر مبتدإ محذوف و يجوز أن يكون بدلا من قوله «الفضل الكبير» «يدخلونها» في موضع نصب على الحال و كذلك «يحلون فيها من أساور» من يتعلق بيحلون «من ذهب» في موضع الصفة لأساور أي أساور كائنة من ذهب و المعنى ذهبية «لا يمسنا» في موضع نصب على الحال.

المعنى

ثم خاطب سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «و الذي أوحينا إليك» يا محمد و أنزلناه «من الكتاب» و هو القرآن «هو الحق» أي الصحيح الذي لا يشوبه فساد و الصدق الذي لا يمازجه كذب و العقل يدعو إلى الحق و يصرف عن الباطل «مصدقا لما بين يديه» أي لما قبله من الكتب لأنه جاء موافقا لما بشرت به تلك الكتب من حاله و حال من أتى به «إن الله بعباده لخبير» أي عالم «بصير» بأحوالهم «ثم أورثنا الكتاب» يعني القرآن و قيل

هو التوراة عن أبي مسلم و قيل أراد الكتب لأن الكتاب يطلق و يراد به الجنس عن الجبائي و الصحيح الأول لأن ظاهر لفظ الكتاب لا يطلق إلا على القرآن «الذين اصطفينا من عبادنا» أي اخترناهم و معنى الإرث انتهاء الحكم إليهم و مصيره لهم كما قال و تلك الجنة التي أورثتموها و قيل معناه أورثناهم الإيمان بالكتب السالفة إذ الميراث انتقال الشيء من قوم إلى قوم و الأول أصح و اختلف في الذين اصطفاهم الله تعالى عن عباده في الآية فقيل هم الأنبياء اختارهم الله برسالته و كتبه عن الجبائي و قيل هم المصطفون الداخلون في قوله إن الله اصطفى آدم إلى قوله و آل إبراهيم و آل عمران يريد بني إسرائيل عن أبي مسلم قال لأن الأنبياء لا يرثون الكتب بل يورث علمهم و قيل هم أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أورثهم الله كل كتاب أنزله عن ابن عباس و قيل هم علماء أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لما ورد في الحديث العلماء ورثة الأنبياء و المروي عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) أنهما قالا هي لنا خاصة و إيانا عنى و هذا أقرب الأقوال لأنهم أحق الناس بوصف الاصطفاء و الاجتباء و إيراث علم الأنبياء إذ هم المتعبدون بحفظ القرآن و بيان حقائقه و العارفون بجلائله و دقائقه «فمنهم ظالم لنفسه و منهم مقتصد و منهم سابق بالخيرات» اختلف في أن الضمير في منهم إلى من يعود على قولين ( أحدهما ) أنه يعود إلى العباد و تقدير الكلام فمن العباد ظالم و روي نحو ذلك عن ابن عباس و الحسن و قتادة و اختاره المرتضى قدس الله روحه من أصحابنا قال و الوجه فيه أنه لما علق توريث الكتاب بمن اصطفاه من عباده بين عقيبه أنه إنما علق وراثة الكتاب ببعض العباد دون بعض لأن فيهم من هو ظالم لنفسه و من هو مقتصد و من هو سابق بالخيرات ( و القول الثاني ) أن الضمير يعود إلى المصطفين من العباد عن أكثر المفسرين ثم اختلف في أحوال الفرق الثلاث على قولين ( أحدهما ) إن جميعهم ناج و يؤيد ذلك ما ورد في الحديث عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في الآية أما السابق فيدخل الجنة بغير حساب و أما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا و أما الظالم لنفسه فيحبس في المقام ثم يدخل الجنة فهم الذين قالوا «الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن» و عن عائشة أنها قالت كلهم في الجنة أما السابق فمن مضى على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و شهد له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالجنة و أما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق بهم و أما الظالم فمثلي و مثلكم و روي عنها أيضا أنها قالت السابق الذي أسلم قبل الهجرة و المقتصد الذي أسلم بعد الهجرة و الظالم نحن و روي عن عمر بن الخطاب أنه قال سابقنا سابق و مقتصدنا ناج و ظالمنا مغفور له و قيل إن الظالم من كان ظاهره خيرا من باطنه و المقتصد الذي استوى ظاهره و باطنه و السابق الذي باطنه خير من ظاهره و قيل منهم ظالم لنفسه بالصغائر و منهم مقتصد بالطاعات في الدرجة الوسطى و منهم سابق بالخيرات في الدرجة العليا عن جعفر بن حرب و روى أصحابنا عن ميسر بن عبد العزيز عن الصادق (عليه السلام) أنه قال

الظالم لنفسه منا من لا يعرف حق الإمام و المقتصد منا العارف بحق الإمام و السابق بالخيرات هو الإمام و هؤلاء كلهم مغفور لهم و عن زياد بن المنذر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال و أما الظالم لنفسه منا فمن عمل عملا صالحا و آخر سيئا و أما المقتصد فهو المتعبد المجتهد و أما السابق بالخيرات فعلي و الحسن و الحسين (عليهما السلام) و من قتل من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) شهيدا و القول الآخر أن الفرقة الظالمة لنفسها غير ناجية قال قتادة الظالم لنفسه أصحاب المشأمة و المقتصد أصحاب الميمنة و السابق بالخيرات هم السابقون المقربون من الناس كلهم كما قال سبحانه و كنتم أزواجا ثلاثة و قال عكرمة عن ابن عباس إن الظالم هو المنافق و المقتصد و السابق من جميع الناس و قال الحسن السابقون هم الصحابة و المقتصدون هم التابعون و الظالمون هم المنافقون فإن قيل لم قدم الظالم و أخر السابق و إنما يقدم الأفضل فالجواب أنهم يقدمون الأدنى في الذكر على الأفضل قال سبحانه يولج الليل في النهار و قال يهب لمن يشاء إناثا و يهب لمن يشاء الذكور و قال خلق الموت و الحياة و قال فمنكم كافر و منكم مؤمن و قيل إنما قدم الظالم لئلا ييأس من رحمته و أخر السابق لئلا يعجب بعلمه و قيل إنما رتبهم هذا الترتيب على مقامات الناس لأن أحوال الناس ثلاث معصية و غفلة ثم التوبة ثم القربة فإذا عصى فهو ظالم و إذا تاب فهو مقتصد و إذا صحت توبته و كثرت مجاهدته اتصل بالله و صار من جملة السابقين و قوله «بإذن الله» أي بأمره و توفيقه و لطفه «ذلك هو الفضل الكبير» معناه أن إيراث الكتاب و اصطفاء الله إياهم هو الفضل العظيم من الله عليهم «جنات عدن يدخلونها» هذا تفسير للفضل كأنه قيل ما ذلك الفضل فقال هي جنات أي جزاء جنات أو دخول جنات و يجوز أن يكون بدلا من الفضل كأنه قال ذلك دخول جنات «يحلون فيها من أساور» جمع أسورة و هي جمع سوار «من ذهب و لؤلؤا» و من قرأ «و لؤلؤا» فالمعنى و يحلون فيها لؤلؤا «و لباسهم فيها حرير» و هو الإبريسم المحض و إذا قلنا إن المراد به الفرق الثالث فالظالم إنما يدخلها بفضل الله تعالى أو بالشفاعة «و قالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن» أخبر سبحانه عن حالهم أنهم إذا دخلوا الجنة يقولون الحمد لله اعترافا منهم بنعمته لا على وجه التكليف و شكرا له على أن أذهب الغم الذي كانوا عليه مستحقين لذلك فإذا تفضل الله عليهم بإسقاط عقابهم و أدخلهم الجنة حمدوه على ذلك و شكروه «إن ربنا لغفور» لذنوب عباده و قبيح أفعالهم «شكور» يقبل اليسير من محاسن أعمالهم و قيل إن شكره سبحانه هو مكافاته لهم على الشكر له و القيام بطاعته و إن كان حقيقة الشكر لا يجوز عليه سبحانه من حيث كان اعترافا بالنعمة و لا يصح أن يكون سبحانه منعما عليه «الذي

أحلنا دار المقامة» أي أنزلنا دار الخلود يقيمون فيها أبدا لا يموتون و لا يتحولون عنها «من فضله» أي ذلك بتفضله و كرمه «لا يمسنا فيها نصب» لا يصيبنا في الجنة عناء و مشقة «و لا يمسنا فيها لغوب» أي و لا يصيبنا فيها إعياء و متعبة في طلب المعاش و غيره.