۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة فاطر، آية ١٥

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ١٧

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ جَعَلَكُمۡ أَزۡوَٰجٗاۚ وَمَا تَحۡمِلُ مِنۡ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلۡمِهِۦۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٖ وَلَا يُنقَصُ مِنۡ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١١ وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ سَآئِغٞ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞۖ وَمِن كُلّٖ تَأۡكُلُونَ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ ١٣ إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ ١٤ ۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ١٥ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَأۡتِ بِخَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٦ وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٖ ١٧

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ اللّهُ خَلَقَكم مِّن تُرَابٍ ثُمّ مِن نّطفَةٍ ثُمّ جَعَلَكمْ أَزْوَجاً وَ مَا تحْمِلُ مِنْ أُنثى وَ لا تَضعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَ مَا يُعَمّرُ مِن مّعَمّرٍ وَ لا يُنقَص مِنْ عُمُرِهِ إِلا فى كِتَبٍ إِنّ ذَلِك عَلى اللّهِ يَسِيرٌ (11) وَ مَا يَستَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سائغٌ شرَابُهُ وَ هَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَ مِن كلٍّ تَأْكلُونَ لَحْماً طرِيّا وَ تَستَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسونَهَا وَ تَرَى الْفُلْك فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضلِهِ وَ لَعَلّكُمْ تَشكُرُونَ (12) يُولِجُ الّيْلَ فى النّهَارِ وَ يُولِجُ النّهَارَ فى الّيْلِ وَ سخّرَ الشمْس وَ الْقَمَرَ كلّ يجْرِى لأَجَلٍ مّسمّى ذَلِكمُ اللّهُ رَبّكُمْ لَهُ الْمُلْك وَ الّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطمِيرٍ (13) إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسمَعُوا دُعَاءَكمْ وَ لَوْ سمِعُوا مَا استَجَابُوا لَكمْ وَ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْككُمْ وَ لا يُنَبِّئُك مِثْلُ خَبِيرٍ (14) يَأَيهَا النّاس أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلى اللّهِ وَ اللّهُ هُوَ الْغَنىّ الْحَمِيدُ (15) إِن يَشأْ يُذْهِبْكمْ وَ يَأْتِ بخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَ مَا ذَلِك عَلى اللّهِ بِعَزِيزٍ (17)

القراءة

قرأ روح و زيد عن يعقوب و لا ينقص بفتح الياء و هو قراءة الحسن و ابن سيرين و الباقون «و لا ينقص» على البناء للمفعول به و قرأ قتيبة عن الكسائي و الذين يدعون بالياء و الباقون بالتاء و في الشواذ قراءة عيسى الثقفي سيغ شرابه.

الحجة

من قرأ ينقص فالتقدير و لا ينقص الله من عمره و القراءة المشهورة «و لا ينقص» و هي أوفق لما تقدمه من قوله «و ما يعمر من معمر» و كذلك قراءة «تدعون» على الخطاب أوفق بما تقدم من الكلام و ما تأخر و يدعون بالياء على الغيبة و من قرأ سيغ شرابه فإنه على التخفيف من سيغ بالتشديد على فيعل و أصله سيوغ مثل هين و هين و ميت و ميت.

اللغة

النطفة الماء القليل و الماء الكثير و هو من الأضداد و منه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لما قيل له أن الخوارج عبروا جسر النهروان مصارعهم دون النطفة و العمر البقاء و أصله طول المدة و قولهم لعمر الله بالفتح لا غير و القطمير لفافة النواة و قيل الحبة في بطن النواة و الجديد القريب العهد بانقطاع العمل عنه و أصله من القطع.

الإعراب

«لا ينقص» تقديره لا ينقص من عمره شيء فمفعول ما لم يسم فاعله محذوف و قوله «إلا في كتاب» الجار و المجرور في موضع خبر لمبتدء محذوف تقديره إلا هو كائن في كتاب.

«تلبسونها» يجوز أن يكون جملة منصوبة الموضع على الحال من «تستخرجون» و يجوز أن يكون صفة لحلية أي حلية ملبوسة و اللام من قوله «لتبتغوا» يتعلق بمواخر لأن المعنى أن الفلك يشق الماء للابتغاء من فضل الله و قوله «من دونه» في موضع الحال من الضمير المحذوف من قوله «تدعون» و التقدير و الذين تدعونهم كائنين من دونه.

المعنى

ثم نسق سبحانه على ما تقدم من دلائل التوحيد فقال «و الله خلقكم من تراب» بأن خلق أباكم آدم منه فإن الشيء يضاف إلى أصله و قيل أراد به آدم (عليه السلام) نفسه «ثم من نطفة» أي ماء الرجل و المرأة «ثم جعلكم أزواجا» أي ذكورا و إناثا و قيل ضروبا

و أصنافا «و ما تحمل من أنثى و لا تضع إلا بعلمه» أي و ما تحصل من الإناث حاملة ولدها في بطنها إلا بعلم الله تعالى و المعنى إلا و هو عالم بذلك «و ما يعمر من معمر» معناه و ما يمد في عمر معمر أي و لا يطول عمر أحد «و لا ينقص من عمره» أي من عمر ذلك المعمر بانقضاء الأوقات عليه عن أبي مالك يعني و لا يذهب بعض عمره بمضي الليل و النهار و قيل معناه و لا ينقص من عمر غير ذلك المعمر عن الحسن و الضحاك و ابن زيد و قيل هو ما يعلمه الله تعالى إن فلانا لو أطاع لبقي إلى وقت كذا و إذا عصى نقص عمره فلا يبقى فالنقصان على ثلاثة أوجه إما أن يكون من عمر المعمر أو من عمر معمر آخر أو يكون بشرط «إلا في كتاب» أي إلا و ذلك مثبت في الكتاب و هو الكتاب المحفوظ أثبته الله تعالى قبل كونه قال سعيد بن جبير مكتوب في أم الكتاب عمر فلان كذا سنة ثم يكتب أسفل ذلك ذهب يوم ذهب يومان ذهب ثلاثة أيام حتى يأتي على آخر عمره «إن ذلك على الله يسير» يعني أن تعمير من يعمره و نقصان من ينقصه و إثبات ذلك في الكتاب سهل على الله تعالى غير متعذر ثم قال «و ما يستوي البحران» يعني العذب و المالح ثم ذكرهما فقال «هذا عذب فرات» أي طيب بارد «سائغ شرابه» أي جائز في الحلق هنيء «و هذا ملح أجاج» شديد الملوحة عن ابن عباس و ما بعد هذا مفسر في سورة النحل إلى آخر الآية «يولج الليل في النهار و يولج النهار في الليل» أي يدخل أحدهما في الآخر بالزيادة و النقصان «و سخر الشمس و القمر» أي يجريهما كما يريد «كل يجري لأجل مسمى» أي لوقت معلوم و قد مضى تفسيره «ذلكم الله ربكم» أي مدبر هذه الأمور هو الله خالقكم «له الملك» في الدنيا و الآخرة «و الذين تدعون من دونه» أي تدعونهم آلهة من الأصنام و الأوثان و توجهون عبادتكم إليهم «و ما يملكون من قطمير» أي قشر نواة عن ابن عباس أي لا يقدرون من ذلك على قليل و لا كثير «إن تدعوهم» لكشف ضر «لا يسمعوا دعاءكم» لأنها جماد لا تنفع و لا تضر «و لو سمعوا» بأن يخلق الله لها سمعا «ما استجابوا لكم و يوم القيامة يكفرون بشرككم» أي يتبرءون عن عبادتكم ينطقهم الله يوم القيامة لتوبيخ عابديها فيقولون لم عبدتمونا و ما دعوناكم إلى ذلك قال البلخي و يجوز أن يكون المراد به الملائكة و عيسى و يكون معنى قوله «لا يسمعوا دعاءكم» أنهم بحيث لا يسمعونه أو أنهم مشتغلون عنهم لا يلتفتون إليهم و يجوز أن يكون المراد به الأصنام و يكون ما يظهر من بطلان ما ظنوه كفرا بشركهم و جحودا له كما أن ما يحصل في الجماد من الدلالة على الله تسبيح منهم «و لا ينبئك مثل خبير» أي لا يخبرك بما فيه الصلاح و الفساد و المنافع و المضار مثل الله سبحانه العليم بالأشياء كلها «يا أيها الناس أنتم الفقراء» المحتاجون «إلى الله و الله هو الغني»

عن عبادتكم لا يحتاج إلى شيء «الحميد» المستحق للحمد على جميع أفعاله فلا يفعل إلا ما يستحق به حمدا ثم أخبر عن كمال قدرته فقال «إن يشأ يذهبكم» و يفنكم «و يأت بخلق جديد» سواكم كما خلقكم و لم تكونوا شيئا «و ما ذلك على الله بعزيز» أي ممتنع بل هو عليه هين يسير.