وَ لَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُدَ مِنّا فَضلاً يَجِبَالُ أَوِّبى مَعَهُ وَ الطيرَ وَ أَلَنّا لَهُ الحَْدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سبِغَتٍ وَ قَدِّرْ فى السرْدِ وَ اعْمَلُوا صلِحاً إِنى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) وَ لِسلَيْمَنَ الرِّيحَ غُدُوّهَا شهْرٌ وَ رَوَاحُهَا شهْرٌ وَ أَسلْنَا لَهُ عَينَ الْقِطرِ وَ مِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَينَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ مَن يَزِغْ مِنهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشاءُ مِن محَرِيب وَ تَمَثِيلَ وَ جِفَانٍ كالجَْوَابِ وَ قُدُورٍ رّاسِيَتٍ اعْمَلُوا ءَالَ دَاوُدَ شكْراً وَ قَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِى الشكُورُ (13) فَلَمّا قَضيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْت مَا دَلهُّمْ عَلى مَوْتِهِ إِلا دَابّةُ الأَرْضِ تَأْكلُ مِنسأَتَهُ فَلَمّا خَرّ تَبَيّنَتِ الجِْنّ أَن لّوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْب مَا لَبِثُوا فى الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)
القراءة
قرأ يعقوب و عبيد بن عمير و الأعرج و الطير بالرفع و قرأ سائر القراء «و الطير» بالنصب و قرأ أبو بكر و لسليمان الريح بالرفع و الباقون بالنصب و قرأ ابن كثير و أبو عمرو كالجوابي بالياء في الوصل إلا ابن كثير وقف بياء و أبو عمرو بغير ياء و الباقون بغير ياء في الوصل و الوقف و قرأ أهل المدينة و أبو عمرو و ابن فليح و زيد عن يعقوب منسأته بغير همز و قرأ ابن عامر منسأته بهمزة ساكنة و الباقون بهمزة مفتوحة و قرأ يعقوب تبينت الجن بضم التاء و الباء و كسر الياء و الباقون «تبينت» بفتح الجميع و في الشواذ قراءة ابن عباس و الضحاك تبينت الإنس
و هو قراءة علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) و أبي عبد الله (عليه السلام).
الحجة
قال الزجاج أما الرفع في و الطير ففيه وجهان ( أحدهما ) أن يكون نسقا على الياء في أو بي المعنى يا جبال رجعي التسبيح أنت معه و الطير ( و الآخر ) أن يكون معطوفا على لفظ جبال التقدير يا جبال و الطير و أما النصب ففيه ثلاثة أوجه ( أحدها ) أن يكون عطفا على فضلا أي آتينا داود منا فضلا و الطير بمعنى و سخرنا له الطير حكى ذلك أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء ( و الثاني ) أن يكون نصبا على النداء و يكون معطوفا على محل جبال كأنه قال أدعو الجبال و الطير ( و الثالث ) أن يكون منصوبا على معنى مع و المعنى أو بي معه و مع الطير قال أبو علي من قرأ «و لسليمان الريح» بالنصب حمله على التسخير في قوله فسخرنا له الريح تجري بأمره و يقوي ذلك قوله و لسليمان الريح عاصفة و وجه الرفع أن الريح إذا سخرت لسليمان جاز أن يقال له الريح على معنى له تسخير الريح فالرفع على هذا يؤول إلى معنى النصب لأن المصدر المقدر في تقدير الإضافة إلى المفعول به قال و القياس في الجوابي أن يثبت الياء مع الألف و اللام و إنما وقف أبو عمرو بغير ياء لأنه فاصلة أي مشبه بها من حيث تم الكلام و من حذف الياء في الوصل و الوقف فلأن هذا النحو قد يحذف كثيرا و القياس في همزة منسأته إذا خففت الهمزة منها أن تجعل بين بين إلا أنهم خففوا همزتها على غير القياس قال الشاعر أنشده أبو الحسن:
{إذا دببت على المنساة من هرم --- فقد تباعد عنك اللهو و الغزل}
و أما قوله تبينت الإنس فمعناه تبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب و هكذا هو في مصحف عبد الله و يؤول إلى هذا المعنى قراءة يعقوب «تبينت الجن».
اللغة
التأويب الترجيع بالتسبيح قال سلامة بن جندل:
{يومان يوم مقامات و أندية --- و يوم سير إلى الأعداء تأويب}
أي رجوع بعد رجوع و السابغ التام من اللباس و سرد الحديد نظمه قال الشاعر:
{على ابن أبي العاصي دلاص حصينة --- أجاد المسدي سردها و أذالها}
و قال أبو ذؤيب:
{و عليهما مسرودتان قضاهما --- داود أو صنع السوابغ تبع}
و هو مأخوذ من سرد الكلام يسرد سردا إذا تابع بين بعض حروفه و بعض قال المبرد لا يسمى محرابا إلا ما يرتقى إليه بدرج قال عدي بن زيد:
{كدمي العاج في المحاريب أو كالبيض --- في الروض زهرة مستنير}
و قال وضاح اليمن:
{ربة محراب إذا جئتها --- لم ألقها أو أرتقي سلما}
و التماثيل صور الأشياء واحدها تمثال و أصلها من المثول و هو القيام كأنه نصب قائما و منه الحديث من سره أن يمثل له الناس فليتبوأ مقعده من النار و الجوابي جمع جابية و هي الحوض العظيم يجبى فيه الماء قال الأعشى:
{تروح على آل المحلق جفنة --- كجابية الشيخ العراقي تفهق}
و المنساة العصا الكبيرة التي يسوق بها الراعي غنمه مفعلة من نسأت الناقة و البعير إذا زجرته.
الإعراب
«أن اعمل سابغات» أن هاهنا في تأويل التفسير و القول و هي تدعى المفسرة بمعنى أي كأنه قيل و ألنا له الحديد أي اعمل سابغات و التقدير قلنا له اعمل و يكون في معنى لأن يعمل و لنا تصل أن هذه بلفظ الأمر و مثله في الكلام أرسل إليه أن قم إلى فلان و قدر مفعوله محذوف أي قدر الحلق و المسامير و قوله «غدوها شهر و رواحها شهر» في موضع نصب على الحال و التقدير غدوها مسيرة شهر و رواحها كذلك فحذف المضاف و العامل في الحال
معنى التسخير في قوله «و لسليمان الريح» و «من يعمل» في موضع نصب على تقدير و سخرنا من الجن من يعمل.
شكرا يجوز أن يكون مفعول اعملوا على تقدير اشكروا شكرا كما تقول أحمد الله شكرا فيكون مفعولا مطلقا و هو المصدر و يجوز أن يكون مفعولا له و مفعول اعمل محذوف و تقديره اعملوا الطاعة شكرا و قوله «أن لو كانوا يعلمون الغيب» أن هذه مخففة من الثقيلة على تقدير أنهم لو كانوا يعلمون الغيب قال أبو علي و التقدير فلما خر تبين أمر الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب فحذف المضاف فإن لو كانوا بدل من الجن و لفظ تبين هنا لازم غير متعد مثله في قوله و تبين لكم كيف فعلنا بهم و قوله فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير و المعنى فلما خر انكشف للإنس أمر الجن من جهلهم بالغيب و ذلك لأن الجن ما ادعوا علم الغيب و إنما اعتقد الإنس فيهم أنهم يعلمون الغيب فأبطل الله عقيدتهم فيهم بموت سليمان.
المعنى
لما تقدم ذكر عباد الله المنيبين إليه وصله سبحانه بذكر داود و سليمان فقال «و لقد آتينا داود منا فضلا» معناه و لقد أعطينا داود من عندنا نعمة و إحسانا أي فضلناه على غيره بما أعطيناه من النبوة و الكتاب و فصل الخطاب و المعجزات ثم فصل سبحانه ما أعطاه فقال «يا جبال أوبي معه و الطير» أي قلنا للجبال يا جبال سبحي معه إذا سبح عن ابن عباس الحسن و قتادة و مجاهد قالوا أمر الله الجبال أن تسبح معه إذا سبح فسبحت معه و تأوله عند أهل اللغة رجعي معه التسبيح من آب يؤوب و يجوز أن يكون سبحانه فعل في الجبال ما يأتي به منها التسبيح معجزا له و أما الطير فيجوز أن يسبح و يحصل له من التمييز ما يتأتى منه ذلك بأن يزيد الله في فطنته فيفهم ذلك و قيل معناه سيري معه فكانت الجبال و الطير تسير معه أينما سار و كان ذلك معجزا له عن الجبائي و التأويب السير بالنهار و قيل معناه ارجعي إلى مراد داود فيما يريده من حفر بئر و استنباط عين و استخراج معدن و وضع طريق «و ألنا له الحديد» فصار في يده كالشمع يعمل به ما شاء من غير أن يدخله النار و لا أن يضربه بالمطرقة عن قتادة «أن اعمل سابغات» أي قلنا له اعمل من الحديد دروعا تامات و إنما ألان الله تعالى الحديد لداود لأنه أحب أن يأكل من كسب يده فألان الحديد له و علمه صنعة الدرع و كان أول من اتخذها و كان يبيعها و يأكل من ثمنها و يطعم عياله و يتصدق منه و روي عن الصادق (عليه السلام) قال إن الله أوحى إلى داود (عليه السلام) نعم العبد أنت إلا أنك تأكل من بيت المال فبكى داود أربعين صباحا فألان الله له الحديد و كان يعمل كل يوم درعا فيبيعها بألف درهم فعمل ثلاثمائة و ستين درعا فباعها بثلاثمائة و ستين ألفا فاستغنى عن بيت المال «و قدر في السرد» أي عدل في نسج الدروع و منه قيل لصانعها سراد و زراد و المعنى لا تجعل
###
المسامير دقاقا فتفلق و لا غلاظا فتكسر الحلق و قيل السرد المسامير التي في حلق الدروع عن قتادة حكي أن لقمان حضر داود عند أول درع عملها فجعل يتفكر فيها و لا يدري ما يريد و لم يسأله حتى فرغ منها ثم قام فلبسها و قال نعم جنة الحرب هذه فقال لقمان عند ذلك الصمت حكمة و قليل فاعله «و اعملوا صالحا» أي و قلنا اعمل أنت و أهلك الصالحات و هي الطاعات شكرا لله سبحانه على عظيم نعمه «إني بما تعملون بصير» أي أنا عالم بما تفعلونه لا يخفى علي شيء من أعمالكم ثم ذكر سبحانه سليمان و ما أتاه من الفضل و الكرامة فقال «و لسليمان الريح» أي و سخرنا لسليمان الريح «غدوها شهر و رواحها شهر» أي مسير غدو تلك الريح المسخرة له مسيرة شهر و مسير رواح تلك الريح مسيرة شهر و المعنى أنها كانت تسير في اليوم مسيرة شهرين للراكب قال قتادة كان يغدو مسيرة شهر إلى نصف النهار و يروح مسيرة شهر إلى آخر النهار و قال الحسن كان يغدو من دمشق فيقيل بإصطخر من أرض أصفهان و بينهما مسيرة شهر للمسرع و يروح من اصطخر فيبيت بكابل و بينهما مسيرة شهر تحمله الريح مع جنوده أعطاه الله الريح بدلا من الصافنات الجياد «و أسلنا له عين القطر» أي أذبنا له عين النحاس و أظهرناها له قالوا أجريت له عين الصفر ثلاثة أيام بلياليهن جعلها الله له كالماء و إنما يعمل الناس بما أعطي سليمان منه «و من الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه» المعنى و سخرنا له من الجن من يعمل له بحضرته و أمام عينه ما يأمرهم به من الأعمال كما يعمل الآدمي بين يدي الآدمي بأمر ربه تعالى و كان يكلفهم الأعمال الشاقة مثل عمل الطين و غيره و قال ابن عباس سخرهم الله لسليمان و أمرهم بطاعته فيما يأمرهم به و في هذا دلالة على أنه قد كان من الجن من هو غير مسخر له «و من يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير» المعنى و من يعدل من هؤلاء الجن الذين سخرناهم لسليمان عما أمرناهم به من طاعة سليمان نذقه من عذاب السعير أي عذاب النار في الآخرة عن أكثر المفسرين و في هذا دلالة على أنهم قد كانوا مكلفين و قيل معناه نذيقه العذاب في الدنيا و أن الله سبحانه وكل بهم ملكا بيده سوط من نار فمن زاغ منهم عن طاعة سليمان ضربه ضربة أحرقته «يعملون له ما يشاء من محاريب» و هي بيوت الشريعة و قيل هي القصور و المساجد يتعبد فيها عن قتادة و الجبائي قال و كان مما عملوه بيت المقدس و قد كان الله عز و جل سلط على بني إسرائيل الطاعون فهلك خلق كثير في يوم واحد فأمرهم داود أن يغتسلوا و يبرزوا إلى الصعيد بالذراري و الأهلين و يتضرعون إلى الله لعله يرحمهم و ذلك صعيد بيت المقدس قبل بناء المسجد و ارتفع داود فوق الصخرة فخر ساجدا يبتهل إلى الله سبحانه و سجدوا معه فلم يرفعوا رءوسهم حتى كشف الله عنهم الطاعون فلما أن شفع الله داود في بني إسرائيل
جمعهم داود بعد ثلاث و قال لهم أن الله تعالى قد من عليكم و رحمكم فجددوا له شكرا بأن تتخذوا من هذا الصعيد الذي رحمكم فيه مسجدا ففعلوا و أخذوا في بناء بيت المقدس و كان داود ينقل الحجارة لهم على عاتقه و كذلك خيار بني إسرائيل حتى رفعوه قامة و لداود يومئذ سبع و عشرون و مائة سنة فأوحى الله إلى داود أن تمام بنائه يكون على يدي ابنه سليمان فلما صار داود ابن أربعين و مائة سنة توفاه الله و استخلف سليمان فأحب إتمام بيت المقدس فجمع الجن و الشياطين و قسم عليهم الأعمال يخص كل طائفة منهم بعمل فأرسل الجن و الشياطين في تحصيل الرخام و ألمها الأبيض الصافي من معادنه و أمر ببناء المدينة من الرخام و الصفاح و جعلها اثني عشر ربضا و أنزل كل ربض منها سبطا من الأسباط و لما فرغ من بناء المدينة ابتدأ في بناء المسجد فوجه الشياطين فرقا فرقة يستخرجون الذهب و اليواقيت من معادنها و فرقة يقلعون الجواهر و الأحجار من أماكنها و فرقة يأتون بالمسك و العنبر و سائر الطيب و فرقة يأتون بالدر من البحار فأوتي من ذلك بشيء لا يحصيه إلا الله تعالى ثم أحضر الصناع و أمرهم بنحت تلك الأحجار حتى صيروها ألواحا و معالجة تلك الجواهر و اللآلىء قال و بنى سليمان المسجد بالرخام الأبيض و الأصفر و الأخضر و عمده بأساطين ألمها الصافي و سقفه بالواح الجواهر و فضض سقوفه و حيطانه باللآلىء و اليواقيت و الجواهر و بسط أرضه بالواح الفيروزج فلم يكن في الأرض بيت أبهى و لا أنور من ذلك المسجد كان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر فلما فرغ منه جمع إليه أخبار بني إسرائيل فأعلمهم أنه بناه الله تعالى و اتخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه عيدا فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان حتى غزا بخت نصر بني إسرائيل فخرب المدينة و هدمها و نقض المسجد و أخذ ما في سقوفه و حيطانه من الذهب و الفضة و الدر و اليواقيت و الجواهر فحملها إلى دار مملكته من أرض العراق قال سعيد بن المسيب لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس تغلقت أبوابه فعالجها سليمان فلم تنفتح حتى قال في دعائه بصلوات أبي داود إلا فتحت الأبواب ففتحت ففرغ له سليمان عشرة آلاف من قراء بني إسرائيل خمسة آلاف بالليل و خمسة آلاف بالنهار فلا تأتي ساعة من ليل و لا نهار إلا و يعبد الله فيها «و تماثيل» يعني صورا من نحاس و شبه و زجاج و رخام كانت الجن تعملها ثم اختلفوا فقال بعضهم كانت صور للحيوانات و قال آخرون كانوا يعملون صور.
السباع و البهائم على كرسيه ليكون أهيب له فذكروا أنهم صوروا أسدين أسفل كرسيه و نسرين فوق عمودي كرسيه فكان إذا أراد أن يصعد الكرسي بسط الأسدان ذراعيهما و إذا علا على الكرسي نشر النسران أجنحتهما فظللاه من الشمس و يقال أن ذلك كان مما لا يعرفه أحد من الناس فلما حاول بخت نصر صعود الكرسي بعد سليمان حين غلب على بني إسرائيل لم يعرف كيف كان يصعد سليمان فرفع الأسد ذراعيه فضرب ساقه فقدها فوقع مغشيا عليه فما جسر أحد بعده أن يصعد ذلك الكرسي قال الحسن و لم تكن يومئذ التصاوير محرمة و هي محظورة في شريعة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنه قال لعن الله المصورين و يجوز أن يكره ذلك في زمن دون زمن و قد بين الله سبحانه أن المسيح كان يصور بأمر الله من الطين كهيئة الطير و قال ابن عباس كانوا يعملون صور الأنبياء و العباد في المساجد ليقتدى بهم و روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال و الله ما هي تماثيل النساء و الرجال و لكنه الشجر و ما أشبهه «و جفان كالجواب» أي صحاف كالحياض التي يجبى فيها الماء أي يجمع و كان سليمان (عليه السلام) يصلح طعام جيشه في مثل هذه الجفان فإنه لم يمكنه أن يطعمهم في مثل قصاع الناس لكثرتهم و قيل أنه كان يجمع على كل جفنة ألف رجل يأكلون بين يديه «و قدور راسيات» أي ثابتات لا يزلن عن أمكنتهن لعظمهن عن قتادة و كانت باليمن و قيل كانت عظيمة كالجبال يحملونها مع أنفسهم و كان سليمان يطعم جنده ثم نادى سبحانه آل داود و أمرهم بالشكر على ما أنعم به عليهم من هذه النعمة العجيبة لأن نعمته على سليمان نعمة عليهم فقال «اعملوا آل داود شكرا» أي قلنا لهم يا آل داود اعملوا بطاعة الله شكرا له على ما آتاكم من النعم عن مجاهد و في هذا دلالة على وجوب شكر النعمة و أن الشكر طاعة المنعم و تعظيمه و فيه إشارة أيضا إلى أن لقرابة أنبياء الله تعالى أثرا في القرب إلى رضي الله حين خص آل داود بالأمر «و قليل من عبادي الشكور» و الفرق بين الشكور و الشاكر أن الشكور من تكرر منه الشكر و الشاكر من وقع منه الشكر قال ابن عباس أراد به المؤمن الموحد و في هذا دلالة على أن المؤمن الشاكر يقل في كل عصر «فلما قضينا عليه الموت» أي فلما حكمنا على سليمان بالموت و قيل معناه أوجبنا على سليمان الموت «ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته» أي ما دل الجن على موته إلا الأرضة و لم يعلموا موته حتى أكلت عصاه فسقط فعلموا أنه ميت و قيل أن سليمان كان يعتكف في مسجد بيت المقدس السنة و السنتين و الشهر و الشهرين و أقل و أكثر يدخل فيه طعامه و شرابه و يتعبد فيه فلما كان في المرة التي مات فيها لم يكن يصبح يوما إلا و تنبت شجرة كان يسألها سليمان فتخبره عن اسمها و نفعها و ضرها فرأى يوما نبتا فقال ما اسمك قال الخرنوب قال لأي شيء أنت قال للخراب فعلم أنه سيموت فقال اللهم عم على
الجن موتي ليعلم الإنس أنهم لا يعلمون الغيب و كان قد بقي من بنائه سنة و قال لأهله لا تخبروا الجن بموتي حتى يفرغوا من بنائه و دخل محرابه و قام متكئا على عصاه فمات و بقي قائما سنة و تم البناء ثم سلط الله على منسأته الأرضة حتى أكلتها فخر ميتا فعرف الجن موته و كانوا يحسبونه حيا لما كانوا يشاهدون من طول قيامه قبل ذلك و قيل أن في إماتته قائما و بقائه كذلك أغراضا منها إتمام البناء و منها أن يعلم الإنس أن الجن لا تعلم الغيب و أنهم في ادعاء ذلك كاذبون و منها أن يعلم أن من حضر أجله فلا يتأخر إذ لم يؤخر سليمان مع جلالته و روي أنه أطلعه الله سبحانه على حضور وفاته فاغتسل و تحنط و تكفن و الجن في عملهم و روى أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال أن سليمان أمر الشياطين فعملوا له قبة من قوارير فبينا هو قائم متكىء على عصاه في القبة ينظر إلى الجن كيف يعملون و هم ينظرون إليه و لا يصلون إليه إذا رجل معه في القبة فقال من أنت فقال أنا الذي لا أقبل الرشى و لا أهاب الملوك فقبضه و هو قائم متكىء على عصاه في القبة قال فمكثوا سنة يعملون له حتى بعث الله الأرضة فأكلت منسأته و في حديث آخر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال فكان آصف يدبر أمره حتى دبت الأرضة «فلما خر» أي سقط سليمان ميتا «تبينت الجن» أي ظهرت الجن فانكشف للناس «أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين» معناه في الأعمال الشاقة و إنما سماها عذابا للمشاق التي فيها لا أنه كان عذابا فليس ذلك إلا أن يكون عبادة له أو بمنزلة ما يعوضون عليه أي ما عملوا مسخرين لسليمان و هو ميت و هم يظنون أنه حي و قيل أن المعنى تبينت عامة الجن و ضعفتهم أن رؤساءهم لا يعلمون الغيب لأنهم كانوا يوهمونهم أنهم يعلمون الغيب و قيل معناه تبينت الإنس أن الجن كانوا لا يعلمون الغيب فإنهم كانوا يوهمون الإنس إنا نعلم الغيب و إنما قال تبينت الجن كما يقول من يناظر غيره و يلزمه الحجة هل تبين لك أنك على باطل و على هذا تدل قراءة من قرأ تبينت الإنس و قد مضى بيانه و ذكر أهل التاريخ أن عمر سليمان كان ثلاثا و خمسين سنة مدة ملكه منها أربعون سنة و ملك يوم ملك و هو ابن ثلاث عشرة سنة و ابتدأ في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من ملكه و الله أعلم و أما الوجه في عمل الجن تلك الأعمال العظيمة فهو أن الله تعالى زاد في أجسامهم و قوتهم و غير خلقهم عن خلق الجن الذين لا يرون للطافتهم و رقة أجسامهم على سبيل الإعجاز الدال على نبوة سليمان فكانوا بمنزلة الأسراء في يده و كانوا تتهيأ لهم الأعمال التي كان يكلفها إياهم ثم لما مات (عليه السلام) جعل الله خلقهم على ما كانوا عليه فلا يتهيأ لهم في هذا الزمان شيء من ذلك.