۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الأحزاب، آية ٦٤

التفسير يعرض الآيات ٦٣ إلى ٦٩

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يَسۡـَٔلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِۚ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ٦٣ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمۡ سَعِيرًا ٦٤ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ لَّا يَجِدُونَ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ٦٥ يَوۡمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يَٰلَيۡتَنَآ أَطَعۡنَا ٱللَّهَ وَأَطَعۡنَا ٱلرَّسُولَا۠ ٦٦ وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ ٦٧ رَبَّنَآ ءَاتِهِمۡ ضِعۡفَيۡنِ مِنَ ٱلۡعَذَابِ وَٱلۡعَنۡهُمۡ لَعۡنٗا كَبِيرٗا ٦٨ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوۡاْ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهٗا ٦٩

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

يَسئَلُك النّاس عَنِ الساعَةِ قُلْ إِنّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَ مَا يُدْرِيك لَعَلّ الساعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (63) إِنّ اللّهَ لَعَنَ الْكَفِرِينَ وَ أَعَدّ لهَُمْ سعِيراً (64) خَلِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يجِدُونَ وَلِيّا وَ لا نَصِيراً (65) يَوْمَ تُقَلّب وُجُوهُهُمْ فى النّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَا أَطعْنَا اللّهَ وَ أَطعْنَا الرّسولا (66) وَ قَالُوا رَبّنَا إِنّا أَطعْنَا سادَتَنَا وَ كُبرَاءَنَا فَأَضلّونَا السبِيلا (67) رَبّنَا ءَاتهِمْ ضِعْفَينِ مِنَ الْعَذَابِ وَ الْعَنهُمْ لَعْناً كَبِيراً (68) يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا لا تَكُونُوا كالّذِينَ ءَاذَوْا مُوسى فَبرّأَهُ اللّهُ مِمّا قَالُوا وَ كانَ عِندَ اللّهِ وَجِيهاً (69)

القراءة

قرأ ابن عامر و يعقوب و سهل ساداتنا بالألف و كسر التاء و الباقون «سادتنا» بغير ألف و قرأ عاصم «كبيرا» بالباء و الباقون كثيرا بالثاء و في الشواذ قراءة عيسى بن عمر يوم تقلب وجوههم و قراءة ابن مسعود و الأعمش و كان عبدا لله وجيها.

الحجة

قال أبو علي سادة فعلة مثل كتبة و فجرة قال:

{سليل قروم سادة مثل ذادة --- يبذون أهل الجمع يوم المحصب}

ووجه الجمع بالألف و التاء أنهم قد قالوا الطرقات و المعنات في المعن جمع معين قال الأعشى:

{جندك التالد الطريف من السادات --- أهل القباب و الآكال}

قال أبو الحسن هي غريبة و الكبر مثل العظم و الكثرة أشبه بالموضع لأنهم يلعنون مرة بعد مرة و قد جاء يلعنهم الله و يلعنهم اللاعنون فالكثرة أشبه بالمرار المتكررة من الكبر و قوله «يوم تقلب وجوههم» تقديره يوم تقلب السعير وجوههم نسب الفعل إلى النار لما كان التقليب فيها كما قال مكر الليل و النهار لوقوع المكر فيهما و عليه قول رؤبة:

{فنام ليلي و تجلى همي}

و قوله عبدا لله وجيها لا يهم منه وجاهته عند الله فقراءة الناس المشهورة أقوى منه لإسناده وجاهته إلى الله سبحانه.

المعنى

ثم قال سبحانه «يسئلك» يا محمد «الناس عن الساعة» يعني القيامة «قل إنما علمها عند الله» لا يعلمها غيره «و ما يدريك» يا محمد أي أي شيء يعلمك من أمر الساعة و متى يكون قيامها أي أنت لا تعرفه ثم قال «لعل الساعة تكون قريبا» أي قريبا مجيئها و يجوز أن يكون أمره أن يجيب كل من يسأله عن الساعة بهذا فيقول لعل ما تستبطئه قريب و ما تنكره كائن و يجوز أن يكون تسلية له (صلى الله عليه وآله وسلم) أي فاعلم أنه قريب فلا يضيقن صدرك باستهزائهم بإخفائها «إن الله لعن الكافرين و أعد لهم سعيرا» أي نارا تستعر و تلتهب «خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا و لا نصيرا» أي وليا ينصرهم يدفع عنهم «يوم تقلب

وجوههم في النار» العامل في «يوم تقلب» قوله «و أعد لهم سعيرا» و التقليب تصريف الشيء في الجهات و معناه تقلب وجوه هؤلاء السائلين عن الساعة و أشباههم من الكفار فتسود و تصفر و تصير كالحة بعد أن لم تكن و قيل معناه تنقل وجوههم من جهة إلى جهة في النار فيكون أبلغ فيما يصل إليها من العذاب «يقولون» متمنين متأسفين «يا ليتنا أطعنا الله» فيما أمرنا به و نهانا عنه «و أطعنا الرسولا» فيما دعانا إليه «و قالوا ربنا إنا أطعنا» فيما فعلناه «سادتنا و كبرائنا» و السيد المالك المعظم الذي يملك تدبير السواد الأعظم و هو الجمع الأكثر قال مقاتل هم المطعمون في غزوة بدر و قال طاووس هم العلماء و الوجه أن المراد جميع قادة الكفر و أئمة الضلال «فأضلونا السبيلا» أي أضلنا هؤلاء عن سبيل الحق و طريق الرشاد «ربنا آتهم ضعفين من العذاب» بضلالهم في نفوسهم و إضلالهم إيانا أي عذبهم مثلي ما تعذب غيرهم «و العنهم لعنا كبيرا» مرة بعد أخرى و زدهم غضبا إلى غضبك و سخطا إلى سخطك ثم خاطب سبحانه المظهرين للإيمان فقال «يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا» أي لا تؤذوا محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) كما آذى بنو إسرائيل موسى فإن حق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعظم و يبجل لا أن يؤذي و اختلفوا فيما أوذي به موسى على أقوال ( أحدها ) أن موسى و هارون صعدا الجبل فمات هارون فقالت بنو إسرائيل أنت قتلته فأمر الله الملائكة فحملته حتى مروا به على بني إسرائيل و تكلمت الملائكة بموته حتى عرفوا أنه قد مات و برأه الله من ذلك عن علي (عليه السلام) و ابن عباس و اختاره الجبائي ( و ثانيها ) أن موسى كان حييا ستيرا يغتسل وحده فقالوا ما يستتر منا إلا لعيب بجلده إما برص و إما أدرة فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر فمر الحجر بثوبه فطلبه موسى فرآه بنو إسرائيل عريانا كأحسن الرجال خلقا فبرأه الله مما قالوا رواه أبو هريرة مرفوعا و قال قوم إن ذلك لا يجوز لأن فيه إشهار النبي و إبداء سوأته على رءوس الأشهاد و ذلك ينفر عنه ( و ثالثها ) أن قارون استأجر مومسة لتقذف موسى بنفسها على رأس الملأ فعصمه الله تعالى من ذلك على ما مر ذكره عن أبي العالية ( و رابعها ) أنهم آذوه من حيث أنهم نسبوه إلى السحر و الجنون و الكذب بعد ما رأوا الآيات عن أبي مسلم «و كان عند الله وجيها» أي عظيم القدر رفيع المنزلة يقال وجه وجاهة فهو وجيه إذا كان ذا جاه و قدر قال ابن عباس كان عند الله خطيرا لا يسأله شيئا إلا أعطاه.