۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الأحزاب، آية ٥١

التفسير يعرض الآيات ٥١ إلى ٥٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

۞ تُرۡجِي مَن تَشَآءُ مِنۡهُنَّ وَتُـٔۡوِيٓ إِلَيۡكَ مَن تَشَآءُۖ وَمَنِ ٱبۡتَغَيۡتَ مِمَّنۡ عَزَلۡتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكَۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن تَقَرَّ أَعۡيُنُهُنَّ وَلَا يَحۡزَنَّ وَيَرۡضَيۡنَ بِمَآ ءَاتَيۡتَهُنَّ كُلُّهُنَّۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمٗا ٥١ لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعۡدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ حُسۡنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ رَّقِيبٗا ٥٢ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلَّآ أَن يُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيۡرَ نَٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَٰكِنۡ إِذَا دُعِيتُمۡ فَٱدۡخُلُواْ فَإِذَا طَعِمۡتُمۡ فَٱنتَشِرُواْ وَلَا مُسۡتَـٔۡنِسِينَ لِحَدِيثٍۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ يُؤۡذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسۡتَحۡيِۦ مِنكُمۡۖ وَٱللَّهُ لَا يَسۡتَحۡيِۦ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعٗا فَسۡـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٖۚ ذَٰلِكُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦٓ أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا ٥٣ إِن تُبۡدُواْ شَيۡـًٔا أَوۡ تُخۡفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٥٤ لَّا جُنَاحَ عَلَيۡهِنَّ فِيٓ ءَابَآئِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآئِهِنَّ وَلَآ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ أَخَوَٰتِهِنَّ وَلَا نِسَآئِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّۗ وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا ٥٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

تُرْجِى مَن تَشاءُ مِنهُنّ وَ تُئْوِى إِلَيْك مَن تَشاءُ وَ مَنِ ابْتَغَيْت مِمّنْ عَزَلْت فَلا جُنَاحَ عَلَيْك ذَلِك أَدْنى أَن تَقَرّ أَعْيُنهُنّ وَ لا يحْزَنّ وَ يَرْضينَ بِمَا ءَاتَيْتَهُنّ كلّهُنّ وَ اللّهُ يَعْلَمُ مَا فى قُلُوبِكُمْ وَ كانَ اللّهُ عَلِيماً حَلِيماً (51) لا يحِلّ لَك النِّساءُ مِن بَعْدُ وَ لا أَن تَبَدّلَ بهِنّ مِنْ أَزْوَجٍ وَ لَوْ أَعْجَبَك حُسنهُنّ إِلا مَا مَلَكَت يَمِينُك وَ كانَ اللّهُ عَلى كلِّ شىْءٍ رّقِيباً (52) يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوت النّبىِّ إِلا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طعَامٍ غَيرَ نَظِرِينَ إِنَاهُ وَ لَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَ لا مُستَئْنِسِينَ لحَِدِيثٍ إِنّ ذَلِكُمْ كانَ يُؤْذِى النّبىّ فَيَستَحْىِ مِنكمْ وَ اللّهُ لا يَستَحْىِ مِنَ الْحَقِّ وَ إِذَا سأَلْتُمُوهُنّ مَتَعاً فَسئَلُوهُنّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكمْ أَطهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَ قُلُوبِهِنّ وَ مَا كانَ لَكمْ أَن تُؤْذُوا رَسولَ اللّهِ وَ لا أَن تَنكِحُوا أَزْوَجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنّ ذَلِكُمْ كانَ عِندَ اللّهِ عَظِيماً (53) إِن تُبْدُوا شيْئاً أَوْ تخْفُوهُ فَإِنّ اللّهَ كانَ بِكلِّ شىْءٍ عَلِيماً (54) لا جُنَاحَ عَلَيهِنّ فى ءَابَائهِنّ وَ لا أَبْنَائهِنّ وَ لا إِخْوَنهِنّ وَ لا أَبْنَاءِ إِخْوَنهِنّ وَ لا أَبْنَاءِ أَخَوَتِهِنّ وَ لا نِسائهِنّ وَ لا مَا مَلَكت أَيْمَنهُنّ وَ اتّقِينَ اللّهَ إِنّ اللّهَ كانَ عَلى كلِّ شىْءٍ شهِيداً (55)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر إلا الأعشى و عباس و أهل المدينة «ترجي» بغير همز و الباقون بالهمز و قرأ أبو عمرو و يعقوب لا تحل بالتاء و الباقون بالياء و سهل أبو حاتم يجيز فيهما.

الحجة

قال أبو علي جاء في هذا الحرف الهمز و غيره و كذلك أرجئه و أرجه فالقراءة بكل واحد من الأمرين حسنة و التاء و الياء في لا تحل حسنان لأن النساء تأنيثه غير حقيقي إنما هو تأنيث الجمع فالتأنيث حسن و التذكير كذلك.

اللغة

الإرجاء هو التأخير و يكون من تبعيد وقت الشيء عن وقت غيره و منه الإرجاء في فساق أهل الصلاة و هو تأخير حكمهم بالعقاب إلى الله تعالى و الإيواء ضم القادر غيره من الأحياء هم الذين من جنس ما يعقل إلى ناحيته يقال آويت الإنسان أويه إيواء و أوى هو يأوي أويا إذا انضم إلى ماواه و يقال أنى الطعام يأني إني مقصورا إذا بلغ حالة النضج و أدرك وقته و إذا فتح مد فقيل أناء قال الحطيئة:

{و آنيت العشاء إلى سهيل --- أ و الشعري فطال بي الإناء}

و الاستئناس ضد الاستيحاش و الإنس ضد الوحشة.

الإعراب

«ذلك أدنى أن تقر» تقديره من أن تقر أو إلى أن تقر أعينهن.

كلهن تأكيد للضمير و هو النون في يرضين و لو نصب جاز على تأكيد قوله هن في «آتيتهن».

«غير ناظرين» منصوب على الحال «و لا مستأنسين» معطوف عليه فهو حال معطوف على حال قبله و تقديره و لا تدخلوا مستأنسين لحديث.

النزول

نزلت الآية الأولى حين غار بعض أمهات المؤمنين على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و طلب بعضهن زيادة النفقة فهجرهن شهرا حتى نزلت آية التخيير فأمره الله تعالى أن يخيرهن بين الدنيا و الآخرة و أن يخلي سبيل من اختار الدنيا و يمسك من اختار الله تعالى و رسوله على أنهن أمهات المؤمنين و لا ينكحن أبدا و على أنه يؤوي من يشاء منهن و يرجي من يشاء منهن و يرضين به قسم لهن أو لم يقسم أو قسم لبعضهن و لم يقسم لبعضهن أو فضل بعضهن على بعض في النفقة و القسمة و العشرة أو سوى بينهن و الأمر في ذلك إليه يفعل ما يشاء و هذه من خصائصه (صلى الله عليه وآله وسلم) فرضين بذلك كله و اخترنه على هذا الشرط فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يسوي بينهن مع هذا إلا امرأة منهن أراد طلاقها و هي سودة بنت زمعة فرضيت بترك القسم و جعلت يومها لعائشة عن ابن زيد و غيره و قيل لما نزلت آية التخيير أشفقن أن يطلقن فقلن يا نبي الله اجعل لنا من مالك

###

و نفسك ما شئت و دعنا على حالنا فنزلت الآية و كان ممن أرجي منهن سودة و صفية و جويرية و ميمونة و أم حبيبة فكان يقسم لهن ما شاء كما شاء و كان ممن آوى إليه عائشة و حفصة و أم سلمة و زينب و كان يقسم بينهن على السواء لا يفضل بعضهن على بعض عن ابن رزين و نزلت آية الحجاب لما بنى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بزينب بنت جحش و أولم عليها قال أنس أولم عليها بتمر و سويق و ذبح شاة و بعثت إليه أمي أم سليم بحيس في تور من حجارة فأمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن أدعو أصحابه إلى الطعام فدعوتهم فجعل القوم يجيئون و يأكلون و يخرجون ثم يجيء القوم فيأكلون و يخرجون قلت يا نبي الله قد دعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه فقال ارفعوا طعامكم فرفعوا طعامهم و خرج القوم و بقي ثلاثة نفر يتحدثون في البيت فأطالوا المكث فقام (صلى الله عليه وآله وسلم) و قمت معه لكي يخرجوا فمشى حتى بلغ حجرة عائشة ثم ظن أنهم قد خرجوا فرجع و رجعت معه فإذا هم جلوس مكانهم فنزلت الآية و روي مثل ذلك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال و كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد أن يخلو له المنزل لأنه كان حديث عهد بعرس و كان محبا لزينب و كان يكره أذى المؤمنين و قيل كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يطعم معه بعض أصحابه فأصابت يد رجل منهم يد عائشة و كانت معهم فكره (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك فنزلت آية الحجاب عن مجاهد و نزل قوله «و ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله» إلى آخر الآية في رجل من الصحابة قال لئن قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنكحن عائشة بنت أبي بكر عن ابن عباس قال مقاتل و هو طلحة بن عبيد الله و قيل إن رجلين قالا أ ينكح محمد نساءنا و لا ننكح نساءه و الله لئن مات لنكحنا نساءه و كان أحدهما يريد عائشة و الآخر يريد أم سلمة عن أبي حمزة الثمالي.

المعنى

ثم خاطب سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) يخيره في نسائه فقال «ترجي من تشاء منهن و تؤوي إليك من تشاء» أي تؤخر و تبعد من تشاء من أزواجك و تضم إليك من تشاء منهن و اختلف في معناه على أقوال ( أحدها ) أن المراد تقدم من تشاء من نسائك في الإيواء إليك و هو الدعاء إلى الفراش و تؤخر من تشاء في ذلك و تدخل من تشاء منهن في القسم و لا تدخل من تشاء عن قتادة قال و كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقسم بين أزواجه و أباح الله له ترك ذلك ( و ثانيها ) أن المراد تعزل من تشاء منهن بغير طلاق و ترد إليك من تشاء منهن بعد عزلك إياها بلا تجديد عقد عن مجاهد و الجبائي و أبي مسلم ( و ثالثها ) أن المراد تطلق من تشاء منهن و تمسك من تشاء عن ابن عباس ( و رابعها ) أن المراد تترك نكاح من تشاء من نساء أمتك و تنكح منهن من تشاء عن الحسن قال و كان (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا خطب امرأة لم يكن لغيره أن يخطبها حتى يتزوجها أو

يتركها ( و خامسها ) تقبل من تشاء من المؤمنات اللائي يهبن أنفسهن لك فتؤويها إليك و تترك من تشاء منهن فلا تقبلها عن زيد بن أسلم و الطبري قال أبو جعفر و أبو عبد الله (عليه السلام) من أرجى لم ينكح و من أوى فقد نكح «و من ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك» أي إن أردت أن تؤوي إليك امرأة ممن عزلتهن عن ذلك و تضمها إليك فلا سبيل عليك بلوم و لا عتب و لا إثم عليك في ابتغائها أباح الله سبحانه له ترك القسم في النساء حتى يؤخر من يشاء عن وقت نوبتها و يطأ من يشاء في غير وقت نوبتها و له أن يعزل من يشاء و له أن يرد المعزولة إن شاء فضله الله تعالى بذلك على جميع الخلق «ذلك أدنى أن تقر أعينهن و لا يحزن و يرضين بما آتيتهن كلهن» معناه أنهن إذا علمن أن له ردهن إلى فراشه بعد ما اعتزلهن قرت أعينهن و لم يحزن و يرضين بما يفعله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من التسوية و التفضيل لأنهن يعلمن أنهن لم يطلقن عن ابن عباس و مجاهد و قيل معناه ذلك أطيب لنفوسهن و أقل لحزنهن إذا علمن أن لك الرخصة بذلك من الله تعالى و يرضين بما يفعله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من التسوية و التفضيل عن قتادة و قرة العين عبارة عن السرور و قيل ذلك المعرفة منهن بأنك إذا عزلت واحدة كان لك أن تؤويها بعد ذلك أدنى بسرورهن و قرة أعينهن عن الجبائي و قيل معناه نزول الرخصة من الله تعالى أقر لأعينهن و أدنى إلى رضاهن بذلك لعلمهن بما لهن في ذلك من الثواب في طاعة الله تعالى و لو كان ذلك من قبلك لحزن و حملن ذلك على ميلك إلى بعضهن «و الله يعلم ما في قلوبكم» من الرضاء و السخط و الميل إلى بعض النساء دون بعض «و كان الله عليما» بمصالح عباده «حليما» في ترك معاجلتهم بالعقوبة «لا يحل لك النساء من بعد» أي من بعد النساء اللواتي أحللناهن لك في قوله إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن الآية و هن ستة أجناس النساء اللاتي آتاهن أجورهن أي أعطاهن مهورهن و بنات عمه و بنات عماته و بنات خاله و بنات خالاته اللاتي هاجرن معه و من وهبت نفسها له يجمع ما شاء من العدد و لا تحل له غيرهن من النساء عن أبي بن كعب و عكرمة و الضحاك و قيل يريد المحرمات في سورة النساء عن أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل معناه لا تحل لك اليهوديات و لا النصرانيات «و لا أن تبدل بهن من أزواج» و لا أن تبدل الكتابيات بالمسلمات لأنه لا ينبغي أن يكن أمهات المؤمنين «إلا ما ملكت يمينك» من الكتابيات فأحل له أن يتسراهن عن مجاهد و سعيد بن جبير و قيل معناه لا يحل لك النساء من بعد نسائك اللاتي خيرتهن فاخترن الله و رسوله و هن التسع صرت مقصورا عليهن و ممنوعا من غيرهن و من أن تستبدل بهن غيرهن «و لو أعجبك حسنهن» أي وقع في قلبك حسنهن مكافاة لهن على اختيارهن الله و رسوله عن الحسن و الشعبي و قيل إن التي أعجبه حسنها أسماء بنت عميس بعد قتل جعفر بن أبي طالب عنها و قيل إنه منع من

###

طلاق من اختارته من نسائه كما أمر بطلاق من لم تختره فأما تحريم النكاح عليه فلا عن الضحاك و قيل أيضا إن هذه الآية منسوخة و أبيح له بعدها تزويج ما شاء فروي عن عائشة أنها قالت ما فارق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الدنيا حتى حلل له ما أراد من النساء و قوله «و لا أن تبدل بهن من أزواج» فقيل أيضا في معناه أن العرب كانت تتبادل بأزواجهم فيعطي أحدهم زوجته رجلا فيأخذ بها زوجة منه بدلا عنها فنهى عن ذلك و قيل في قوله «و لو أعجبك حسنهن» يعني إن أعجبك حسن ما حرم عليك من جملتهن و لم يحللن لك و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) «و كان الله على كل شيء رقيبا» أي عالما حافظا عن الحسن و قتادة «يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه» نهاهم سبحانه عن دخول دار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بغير إذن و هو قوله «إلا أن يؤذن لكم» أي في الدخول يعني إلا أن يدعوكم إلى طعام فادخلوا غير ناظرين إناه أي غير منتظرين إدراك الطعام فيطول مقامكم في منزله و المعنى لا تدخلوا بغير إذن و قيل نضج الطعام انتظارا لنضجه فيطول لبثكم و مقامكم «و لكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا» أي فإذا أكلتم الطعام فتفرقوا و أخرجوا «و لا مستأنسين لحديث» أي و لا تدخلوا فتقعدوا بعد الأكل متحدثين يحدث بعضكم بعضا ليؤنسه ثم بين المعنى في ذلك فقال «إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم» أي طول مقامكم في منزل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يؤذيه لضيق منزله فيمنعه الحياء أن يأمركم بالخروج من المنزل «و الله لا يستحيي من الحق» أي لا يترك إبانة الحق فيأمركم بتعظيم رسوله و ترك دخول بيته من غير إذن و الامتناع عما يؤدي إلى أذاه و كراهيته قالت عائشة يحسب الثقلاء أن الله سبحانه لم يحتملهم فقال «فإذا طعمتم فانتشروا» و قال بعض العلماء هذا أدب أدب الله به الثقلاء «و إذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب» يعني فإذا سألتم أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شيئا تحتاجون إليه فاسألوهن من وراء الستر قال مقاتل أمر الله المؤمنين أ لا يكلموا نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا من وراء حجاب و روى مجاهد عن عائشة قالت كنت آكل مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيسا في قعب فمر بنا عمر فدعاه فأكل فأصابت إصبعه إصبعي فقال حس لو أطاع فيكن ما رأتكن عين فنزل الحجاب «ذلكم» أي سؤالكم إياهن المتاع من وراء حجاب «أطهر لقلوبكم و قلوبهن» من الريبة و من خواطر الشيطان التي تدعو إلى ميل الرجال إلى النساء و النساء إلى الرجال «و ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله» أي ليس لكم إيذاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمخالفة ما أمر به في

نسائه و لا في شيء من الأشياء «و لا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا» أي من بعد وفاته المعنى و لا يحل لكم أن تزوجوا واحدة من نسائه بعد مماته كما لا تحل لكم أن تؤذوه في حال حياته و قيل من بعده أي من بعد فراقه في حياته كما قال بئسما خلفتموني من بعدي «إن ذلكم كان عند الله عظيما» أي إيذاء الرسول بما ذكرنا كان ذنبا عظيم الموقع عند الله تعالى «إن تبدوا شيئا أو تخفوه» أي تظهروا شيئا أو تضمروه مما نهيتم عنه من تزويجهن «فإن الله كان بكل شيء عليما» من الظواهر و السرائر و هذا تهديد و روي عن حذيفة أنه قال لامرأته تريدي أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تتزوجي بعدي فإن المرأة لآخر أزواجها فلذلك حرم الله تعالى على أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتزوجن بعده و روي عن النبي سئل عن المرأة تكون لها زوجان فتموت فتدخل الجنة فلأيهما تكون قال لأحسنهما خلقا كان معها في الدنيا ذهب حسن الخلق بخير الدنيا و الآخرة و لما نزلت آية الحجاب قال الآباء و الأبناء و الأقارب يا رسول الله و نحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب فأنزل الله تعالى قوله «لا جناح عليهن في آبائهن و لا أبنائهن و لا إخوانهن و لا أبناء إخوانهن و لا أبناء أخواتهن» أن يروهن و لا يحتجبن عنهم «و لا نسائهن» قيل نريد نساء المؤمنين لا نساء اليهود و لا النصارى فيصفن نساء رسول الله لأزواجهن إن رأينهن عن ابن عباس و قيل يريد جميع النساء «و لا ما ملكت أيمانهن» يعني العبيد و الإماء «و اتقين الله» أي اتركن معاصيه و قيل اتقين عقاب الله من دخول الأجانب عليكن «إن الله كان على كل شيء شهيدا» أي حفيظا لا يغيب عنه شيء قال الشعبي و عكرمة و إنما لم يذكر العم و الخال لئلا ينعتاهن لأبنائهما.