۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الأحزاب، آية ٢٥

التفسير يعرض الآيات ٢١ إلى ٢٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ٢١ وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا وَتَسۡلِيمٗا ٢٢ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا ٢٣ لِّيَجۡزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّٰدِقِينَ بِصِدۡقِهِمۡ وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٤ وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا ٢٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

لّقَدْ كانَ لَكُمْ فى رَسولِ اللّهِ أُسوَةٌ حَسنَةٌ لِّمَن كانَ يَرْجُوا اللّهَ وَ الْيَوْمَ الاَخِرَ وَ ذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً (21) وَ لَمّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَاب قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللّهُ وَ رَسولُهُ وَ صدَقَ اللّهُ وَ رَسولُهُ وَ مَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَناً وَ تَسلِيماً (22) مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صدَقُوا مَا عَهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مّن قَضى نحْبَهُ وَ مِنهُم مّن يَنتَظِرُ وَ مَا بَدّلُوا تَبْدِيلاً (23) لِّيَجْزِى اللّهُ الصدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَ يُعَذِّب الْمُنَفِقِينَ إِن شاءَ أَوْ يَتُوب عَلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ كانَ غَفُوراً رّحِيماً (24) وَ رَدّ اللّهُ الّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيراً وَ كَفَى اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَ كانَ اللّهُ قَوِياّ عَزِيزاً (25)

القراءة

قرأ عاصم «أسوة» بضم الألف حيث كان في جميع القرآن و الباقون بكسر الألف و هما لغتان و معناهما قدوة.

اللغة

النحب النذر قال بشر بن أبي حازم:

{وإني و الهجاء لآل لام --- كذات النحب توفي بالنذور}

و النحب الموت قال ذو الرمة:

{عشية مر الحارثيون بعد ما --- قضى نحبه في ملتقى الخيل هوبر}

و هوبر اسم رجل و النحب الخطر قال جرير:

{بطخفة جالدنا الملوك و خيلنا --- عشية بسطام جرين على نحب}

أي على خطر و النحب المد في السير يوما و ليلة.

المعنى

ثم حث سبحانه على الجهاد و الصبر عليه فقال «لقد كان لكم» معاشر المكلفين «في رسول الله أسوة حسنة» أي قدوة صالحة يقال لي في فلان أسوة أي لي به اقتداء و الأسوة من الاتساء كما أن القدرة من الاقتداء اسم وضع موضع المصدر و المعنى كان لكم برسول الله اقتداء لو اقتديتم به في نصرته و الصبر معه في مواطن القتال كما فعل هو يوم أحد إذ انكسرت رباعيته و شج حاجبه و قتل عمه فواساكم مع ذلك بنفسه فهلا فعلتم مثل ما فعله هو و قوله «لمن كان يرجوا الله» بدل من قوله «لكم» و هو تخصيص بعد العموم للمؤمنين يعني أن الأسوة برسول الله إنما تكون «لمن كان يرجوا الله» أي يرجو ما عند الله من الثواب و النعيم عن ابن عباس و قيل معناه يخشى الله و يخشى البعث الذي فيه جزاء الأعمال و هو قوله «و اليوم الآخر» عن مقاتل «و ذكر الله كثيرا» أي ذكرا كثيرا و ذلك أن ذاكر الله متبع لأوامره بخلاف الغافل عن ذكره ثم عاد سبحانه إلى ذكر الأحزاب فقال «و لما رءا المؤمنون

الأحزاب» أي و لما عاين المصدقون بالله و رسوله الجماعة التي تحزبت على قتال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع كثرتهم «قالوا هذا ما وعدنا الله و رسوله و صدق الله و رسوله» اختلف في معناه على قولين ( أحدهما ) أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد أخبرهم أنه يتظاهر عليهم الأحزاب و يقاتلونهم و وعدهم الظفر بهم فلما رأوهم تبين لهم مصداق قوله و كان ذلك معجزا له «و ما زادهم» مشاهدة عدوهم «إلا إيمانا» أي تصديقا بالله و رسوله «و تسليما» لأمره عن الجبائي ( و الآخر ) أن الله تعالى وعدهم في سورة البقرة بقوله «أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و لما يأتكم مثل الذين خلوا» إلى قوله «إن نصر الله قريب» ما سيكون من الشدة التي تلحقهم من عدوهم فلما رأوا الأحزاب يوم الخندق قالوا هذه المقالة علما منهم أنه لا يصيبهم إلا ما أصاب الأنبياء و المؤمنين قبلهم و زادهم كثرة المشركين تصديقا و يقينا و ثباتا في الحرب عن قتادة و غيره «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه» أي بايعوا أن لا يفروا فصدقوا في لقائهم العدو «فمنهم من قضى نحبه» أي مات أو قتل في سبيل الله فأدرك ما تمنى فذلك قضاء النحب و قيل قضى نحبه معناه فرغ من عمله و رجع إلى ربه يعني من استشهد يوم أحد عن محمد بن إسحاق و قيل معناه قضى أجله على الوفاء و الصدق عن الحسن و قال ابن قتيبة أصل النحب النذر و كأن قوما نذروا إن يلقوا العدو أن يقاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله فقتلوا فقيل فلان قضى نحبه إذا قتل و روي عن أنس بن مالك أن عمه غاب عن قتال بدر فقال غبت عن أول قتال قاتله رسول الله مع المشركين لئن أراني الله قتالا للمشركين ليرين الله ما أصنع فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني المسلمين و أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء يعني المشركين ثم تقدم فلقيه سعد دون أحد فقال أنا معك قال سعد فلم أستطع أن أصنع ما صنع فوجد فيه بضع و ثمانون ما بين ضربة بسيف و طعنة برمح و رمية بسهم كنا نقول فيه و في أصحابه نزلت «فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر» رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن سعيد الخزامي عن عبد الأعلى عن حميد بن أنس و قال ابن إسحاق «فمنهم من قضى نحبه» من استشهد يوم بدر و أحد «و منهم من ينتظر» ما وعد الله من نصرة أو شهادة على ما مضى عليه أصحابه «و ما بدلوا تبديلا» أي ما غيروا العهد الذي عاهدوا ربهم كما غير المنافقون قال ابن عباس «من قضى نحبه» حمزة بن عبد المطلب و من قتل معه و أنس بن النضر و أصحابه و قال الكلبي ما بدلوا العهد بالصبر و لا نكثوه بالفرار و روي الحاكم أبو القاسم الحسكاني بالإسناد عن عمرو بن ثابت عن أبي إسحاق عن علي (عليه السلام) قال فينا نزلت «رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه» فأنا و الله المنتظر و ما بدلت تبديلا «ليجزي الله الصادقين بصدقهم» أي صدق المؤمنون في عهودهم ليجزيهم الله بصدقهم «و يعذب

المنافقين» بنقض العهد «إن شاء أو يتوب عليهم» إن تابوا و يكون معناه أنه سبحانه إن شاء قبل توبتهم و أسقط عقابهم و إن شاء لم يقبل توبتهم و عذبهم فإن إسقاط العذاب على المذهب الصحيح بالتوبة تفضل من الله تعالى لا يجب عقلا و إنما علمنا ذلك بالسمع و الإجماع على أن الله سبحانه يفعل ذلك فالآية قاضية بما يقتضيه العقل من الحكم و يؤكد ذلك قوله «إن الله كان غفورا رحيما» لأن المدح إنما يحصل إذا رحم سبحانه من يستحق العقاب و يغفر ما جاز له المؤاخذة به و لا مدح في مغفرة و رحمة من يجب عليه غفرانه و رحمته و قيل معناه و يعذب المنافقين بعذاب عاجل في الدنيا إن شاء أو يتوبوا عن الجبائي ثم عاد سبحانه إلى تعداد نعمه فقال «و رد الله الذين كفروا» يعني الأحزاب أبا سفيان و جنوده و غطفان و من معهم من قبائل العرب «بغيظهم» أي بغمهم الذي جاءوا به و حنقهم لم يشفوا بنيل ما أرادوا و «لم ينالوا خيرا» أملوه و أرادوه من الظفر بالنبي و المؤمنين و إنما سماه خيرا لأن ذلك كان خيرا عندهم و قيل أراد بالخير المال كما في قوله و إنه لحب الخير لشديد «و كفى الله المؤمنين القتال» أي مباشرة القتال بما أنزل الله على المشركين من الريح الشديدة الباردة التي أزعجتهم عن أماكنهم و بما أرسل من الملائكة و بما قذف في قلوبهم من الرعب و قيل بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) و قتله عمرو بن عبد ود و كان ذلك سبب هزيمة القوم عن عبد الله بن مسعود و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) «و كان الله قويا» أي قادرا على ما يشاء «عزيزا» لا يمتنع عليه شيء من الأشياء و قيل قويا في ملكه و سلطانه عزيزا في قهره و انتقاله.