قُلْ يَتَوَفّاكُم مّلَك الْمَوْتِ الّذِى وُكلَ بِكُمْ ثُمّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) وَ لَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبّنَا أَبْصرْنَا وَ سمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صلِحاً إِنّا مُوقِنُونَ (12) وَ لَوْ شِئْنَا لاَتَيْنَا كلّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَ لَكِنْ حَقّ الْقَوْلُ مِنى لأَمْلأَنّ جَهَنّمَ مِنَ الْجِنّةِ وَ النّاسِ أَجْمَعِينَ (13) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنّا نَسِينَكمْ وَ ذُوقُوا عَذَاب الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (14) إِنّمَا يُؤْمِنُ بِئَايَتِنَا الّذِينَ إِذَا ذُكرُوا بهَا خَرّوا سجّداً وَ سبّحُوا بحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ هُمْ لا يَستَكْبرُونَ (15)
اللغة
التوفي أخذ الشيء على تمام قال الراجز:
{إن بني دارم ليسوا من أحد --- و لا توفتهم قريش في العدد}
يقال استوفى الدين إذا قبضه على كماله و التوكيل تفويض الأمر إلى غيره للقيام به و النكس قلبك الشيء على رأسه و يقال في المرض النكس بضم النون و أما النكس بكسر النون فهو السهم ينكس فيجعل أعلاه أسفله.
الإعراب
«و لو ترى إذ المجرمون» يجوز أن يكون مفعول ترى محذوفا فيكون تقديره و لو ترى المجرمين إذ هم ناكسوا رءوسهم و يجوز أن يكون المعنى لو رأيت ببصرك مثل قوله «و إذا رأيت ثم رأيت نعيما» فيكون ترى عاملا في إذ و جواب لو محذوف تقديره لو رأيت المجرمين على تلك الحالة رأيت ما تعتبر به غاية الاعتبار «فذوقوا» أي فيقال لهم ذوقوا العذاب بنسيانكم و هذا في موضع جر على أنه صفة ليومكم.
المعنى
ثم أمر سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «قل» يا محمد للمكلفين «يتوفيكم» أي يقبض أرواحكم أجمعين و قيل يقبضكم واحدا واحدا حتى لا يبقى منكم أحدا «ملك الموت الذي وكل بكم» أي وكل بقبض أرواحكم عن ابن عباس قال جعلت الدنيا بين يدي ملك الموت مثل جام يأخذ منها ما شاء إذا قضى عليه الموت من غير عناء و خطوته ما بين المشرق و المغرب و قيل إن له أعوانا كثيرة من ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب عن قتادة و الكلبي فعلى هذا المراد بملك الموت الجنس و يدل عليه قوله «توفته رسلنا» و قوله «تتوفيهم الملائكة» و أما إضافة التوفي إلى نفسه في قوله «الله يتوفى الأنفس حين موتها» فلأنها سبحانه خلق الموت و لا يقدر عليه أحد سواه «ثم إلى ربكم ترجعون» أي إلى جزاء ربكم من الثواب و العقاب تردون و جعل ذلك رجوعا إليه تفخيما للأمر و تعظيما للحال و روى عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الأمراض و الأوجاع كلها بريد للموت و رسل للموت فإذا حان الأجل أتى ملك الموت بنفسه فقال يا أيها العبد كم خبر بعد خبر و كم رسول بعد رسول و كم بريد بعد بريد أنا الخبر الذي ليس بعدي خبر و أنا الرسول أجب ربك طائعا أو مكرها فإذا قبض روحه و تصارخوا عليه قال على من تصرخون و على من تبكون فو الله ما ظلمت له أجلا و لا أكلت له رزقا بل دعاه ربه فليبك الباكي على نفسه فإن لي فيكم عودات و عودات حتى لا أبقي منكم أحدا ثم أخبر سبحانه عن حالهم في القيامة و عند الحساب فقال «و لو ترى» يا محمد أو أيها الإنسان «إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم» أي يوم القيامة حين يكون المجرمون متطاطئي رءوسهم
و مطرقيها حياء و ندما و ذلا «عند ربهم» أي عند ما يتولى الله سبحانه حساب خلقه يقولون «ربنا أبصرنا و سمعنا» أي أبصرنا الرشد و سمعنا الحق و قيل معناه أبصرنا صدق وعدك و سمعنا منك تصديق رسلك و قيل معناه إنا قد كنا بمنزلة العمي فأبصرنا و بمنزلة الصم فسمعنا «فارجعنا» أي فارددنا إلى دار التكليف «نعمل صالحا» من الصالحات «إنا موقنون» اليوم لا نرتاب شيئا من الحق و الرسالة ثم قال سبحانه «و لو شئنا لأتينا كل نفس هداها» بأن نفعل أمرا من الأمور يلجئهم إلى الإقرار بالتوحيد و لكن ذلك يبطل الغرض بالتكليف لأن المقصود به استحقاق الثواب و الإلجاء لا يثبت معه استحقاق الثواب قال الجبائي و يجوز أن يكون المراد به و لو شئنا لأجبناهم إلى ما سألوا من الرد إلى دار التكليف ليعملوا بالطاعات و لكن حق القول مني أن أجازيهم بالعقاب و لا أردهم و قيل معناه و لو شئنا لهديناهم إلى الجنة «و لكن حق القول مني» أي الخبر و الوعيد «لأملأن جهنم من الجنة و الناس أجمعين» أي من كلا الصنفين بكفرهم بالله سبحانه و جحدهم وحدانيته و كفرانهم نعمته و القول من الله سبحانه بمنزلة القسم فلذلك أتى بجواب القسم و هو قوله «لأملأن جهنم» ثم حكى سبحانه ما يقال لهؤلاء الذين طلبوا الرجعة إلى دار التكليف إذا جعلوا في العذاب بقوله «فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا» أي بما فعلتم فعل من نسي لقاء جزاء هذا اليوم فتركتم ما أمركم الله به و عصيتموه و النسيان الترك و منه قول النابغة:
{سفود شرب نسوة عند مفتاد}
أي تركوه فلم يستعملوه قال المبرد لأنه لو كان المراد النسيان الذي هو ضد الذكر لجاز أن يكونوا استعملوه «إنا نسيناكم» أي فعلنا معكم فعل من نسيكم من ثوابه أي ترككم من نعيمه جزاء على ترككم طاعتنا «و ذوقوا عذاب الخلد» الذي لا فناء له «بما كنتم تعملون» من الكفر و المعاصي ثم أخبر سبحانه عن حال المؤمنين فقال «إنما يؤمن بآياتنا» أي يصدق بالقرآن و سائر حججنا «الذين إذا ذكروا بها» تذكروا و اتعظوا بمواعظها بأن «خروا سجدا» أي ساجدين شكرا لله سبحانه على أن هداهم بمعرفته و أنعم عليهم بفنون نعمته «و سبحوا بحمد ربهم» أي نزهوه عما لا يليق به من الصفات و عظموه و حمدوه «و هم لا يستكبرون» عن عبادته و لا يستنكفون من طاعته و لا يأنفون أن يعفروا وجوههم صاغرين له.