مجمع البيان |
سورة النور |
53 - 55 |
|
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لّا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (53) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (54) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) |
||
|
القراءة قرأ أبو بكر كما استخلف بضم التاء و الباقون بفتح التاء و قرأ ابن كثير و أبو بكر و يعقوب و سهل و ليبدلنهم من الإبدال و الباقون بالتشديد من التبديل. الحجة قال أبو علي الوجه في «كما استخلف» بفتح التاء و اللام لأن اسم الله قد تقدم ذكره و الضمير في «ليستخلفنهم» يعود إليه فكذلك في قوله «كما استخلف» و الوجه في استخلف أنه يراد به ما يراد باستخلف و التبديل و الإبدال بمعنى و قيل إن التبديل تغيير حال إلى حال أخرى يقال بدل صورته و الإبدال رفع الشيء بأن يجعل غيره مكانه قال عزل الأمير بالأمير المبدل. الإعراب «و أقسموا بالله جهد أيمانهم» أصله و أقسموا بالله يجهدون الأيمان جهدا فحذف الفعل و أقيم مصدره مضافا إلى المفعول مقامه كقوله فضرب الرقاب و حكم هذا المنصوب حكم الحال كأنه قال جاهدين أيمانهم طاعة مبتدأ و خبره محذوف و تقديره طاعة معروفة أولى بكم و أفضل لكم «ليستخلفنهم» جواب قسم يدل عليه قوله «وعد الله» لأن وعده سبحانه كالقسم «يعبدونني» يجوز أن يكون جملة مستأنفة على طريق الثناء عليهم و يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال. المعنى و لما بين الله سبحانه كراهتهم لحكمه قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و الله لو أمرتنا بالخروج من ديارنا و أموالنا لفعلنا فقال الله سبحانه «و أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن» أي حلفوا بالله أغلظ أيمانهم و قدر طاقتهم أنك إن أمرتنا بالخروج في غزواتك لخرجنا «قل» لهم يا محمد «لا تقسموا» أي لا تحلفوا و تم الكلام «طاعة معروفة» أي طاعة حسنة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خالصة صادقة أفضل و أحسن من قسمكم بما لا تصدقون فحذف خبر المبتدأ للعلم به و قيل معناه ليكن منكم طاعة و القول المعروف هو المعروف صحته «إن الله خبير بما تعملون» أي من طاعتكم بالقول و مخالفتكم بالفعل ثم أمرهم سبحانه بالطاعة فقال «قل» لهم «أطيعوا الله» فيما أمركم به «و أطيعوا الرسول» فيما أتاكم به و احذروا المخالفة «فإن تولوا» أي فإن تعرضوا عن طاعة الله و طاعة رسوله و الأصل تتولوا فحذف أحد التاءين «فإنما عليه» أي على الرسول «ما حمل» أي كلف و أمر من التبليغ و أداء الرسالة «و عليكم ما حملتم» أي كلفتم من الطاعة و المتابعة «و إن تطيعوه» أي و إن تطيعوا الرسول «تهتدوا» إلى الرشد و الصلاح و إلى طريق الجنة «و ما على الرسول إلا البلاغ المبين» أي ليس عليه إلا أداء الرسالة بيان الشريعة و ليس عليه الاهتداء و إنما ذلك عليكم و نفعه عائد إليكم و المبين البين الواضح «وعد الله الذين آمنوا منكم» أي صدقوا بالله و برسوله و بجميع ما يجب التصديق به «و عملوا الصالحات» أي الطاعات الخالصة لله «ليستخلفنهم في الأرض» أي ليجعلنهم يخلفون من قبلهم و المعنى ليورثنهم أرض الكافر من العرب و العجم فيجعلهم سكانها و ملوكها «كما استخلف الذين من قبلهم» قال مقاتل يعني بني إسرائيل إذ أهلك الله الجبابرة بمصر و أورثهم أرضهم و ديارهم و أموالهم و عن أبي بن كعب قال لما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أصحابه المدينة و آوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة و كانوا لا يبيتون إلا مع السلاح و لا يصبحون إلا فيه فقالوا ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله فنزلت هذه الآية و عن المقداد بن الأسود عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال لا يبقى على الأرض بيت مدر و لا وبر إلا أدخله الله تعالى كلمة الإسلام بعز عزيز أو ذل ذليل إما أن يعزهم الله فيجعلهم من أهلها و إما أن يذلهم فيدينون لها و قيل إنه أراد بالأرض أرض مكة لأن المهاجرين كانوا يسألون ذلك «و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم» يعني دين الإسلام الذي أمرهم أن يدينوا به و تمكينه أن يظهره على الدين كله كما قال زويت لي الأرض فأريت مشارقها و مغاربها و سيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها و قيل تمكينه بإعزاز أهله و إذلال أهل الشرك و تمكين أهله من إظهاره بعد أن كانوا يخفونه «و ليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا» أي و ليصيرنهم بعد أن كانوا خائفين بمكة آمنين بقوة الإسلام و انبساطه قال مقاتل و قد فعل الله ذلك بهم و بمن كان بعدهم من هذه الأمة مكن لهم في الأرض و أبدلهم أمنا من بعد خوف و بسط لهم في الأرض فقد أنجز وعده لهم و قيل معناه و ليبدلنهم من بعد خوفهم في الدنيا أمنا في الآخرة و يعضده ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال حاكيا عن الله سبحانه إني لا أجمع على عبد واحد بين خوفين و لا بين أمنين إن خافني في الدنيا آمنته في الآخرة و إن أمنني في الدنيا خوفته في الآخرة «يعبدونني لا يشركون بي شيئا» هذا استئناف كلام في الثناء عليهم و معناه لا يخافون غيري عن ابن عباس و قيل معناه لا يراءون بعبادتي أحدا و في الآية دلالة على صحة نبوة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) من جهة الإخبار عن غيب لا يعلم إلا بوحي من الله عز و جل «و من كفر بعد ذلك» أي بعد هذه النعم «فأولئك هم الفاسقون» ذكر الفسق بعد الكفر مع أن الكفر أعظم من الفسق لأن الفسق في كل شيء هو الخروج إلى أكثره فالمعنى أولئك هم الخارجون إلى أقبح وجوه الكفر و أفحشه و قيل معناه من جحد تلك النعمة بعد إنعام الله تعالى بها فأولئك هم العاصون لله عن ابن عباس و اختلف في الآية فقيل إنها واردة في أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قيل هي عامة في أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ابن عباس و مجاهد و المروي عن أهل البيت (عليهم السلام) أنها في المهدي من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و روي العياشي بإسناده عن علي بن الحسين (عليهما السلام) أنه قرأ الآية و قال هم و الله شيعتنا أهل البيت يفعل الله ذلك بهم على يدي رجل منا و هو مهدي هذه الأمة و هو الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من عترتي اسمه اسمي يملأ الأرض عدلا و قسطا كما ملئت ظلما و جورا و روي مثل ذلك عن أبي جعفر (عليه السلام) و أبي عبد الله (عليه السلام) فعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا و عملوا الصالحات النبي و أهل بيته صلوات الرحمن عليهم و تضمنت الآية البشارة لهم بالاستخلاف و التمكن في البلاد و ارتفاع الخوف عنهم عند قيام المهدي (عليه السلام) منهم و يكون المراد بقوله «كما استخلف الذين من قبلهم» هو أن جعل الصالح للخلاف خليفة مثل آدم و داود و سليمان (عليهما السلام) و يدل على ذلك قوله إني جاعل في الأرض خليفة و يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض و قوله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب و الحكمة و آتيناه ملكا عظيما و على هذا إجماع العترة الطاهرة و إجماعهم حجة لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض و أيضا فإن التمكين في الأرض على الإطلاق لم يتفق فيما مضى فهو منتظر لأن الله عز اسمه لا يخلف وعده. |
||