مجمع البيان

سورة النور

39 - 40

وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ (40)

القراءة

قرأ ابن كثير في رواية البزي سحاب بغير تنوين ظلمات بالجر و في رواية القواس و ابن فليح «سحاب» بالتنوين ظلمات بالجر و الباقون كلاهما بالرفع و التنوين.

الحجة

قال أبو علي قوله «أو كظلمات» معناه أو كذي ظلمات و يدل على حذف المضاف قوله «إذا أخرج يده لم يكد يراها» فالضمير الذي أضيف إليه يده يعود إلى المضاف المحذوف و معنى ذي ظلمات أنه في ظلمات و معنى «ظلمات بعضها فوق بعض» ظلمة البحر و ظلمة الموج و ظلمة الموج الذي في الموج و قوله خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث فإنه يجوز أن يكون ظلمة الرحم و ظلمة البطن و ظلمة المشيمة و قوله «فنادى في الظلمات» ظلمة البحر و ظلمة بطن الحوت و ظلمة الليل و يجوز أن يكون الالتقام كان بالليل فهذه ظلمات و من قرأ «سحاب ظلمات» فرفع ظلمات كان خبر مبتدإ محذوف تقديره هذه ظلمات بعضها فوق بعض و من قرأ سحاب ظلمات جاز أن يكون تكريرا و بدلا من ظلمات الأولى و من قرأ سحاب ظلمات بإضافة سحاب إلى الظلمات فالظلمات هي الظلمات التي تقدم ذكرها فأضاف السحاب إلى الظلمات لاستقلال السحاب و ارتفاعه في وقت كون هذه الظلمات كما تقول سحاب رحمة و سحاب مطر إذا ارتفع في الوقت الذي يكون فيه الرحمة و المطر.

اللغة

السراب شعاع يتخيل كالماء يجري على الأرض نصف النهار حين يشتد الحر و الآل شعاع يرتفع بين السماء و الأرض كالماء ضحوة النهار و الآل يرفع الشخص الذي فيه و إنما قيل سراب لأنه ينسرب أي يجري كالماء و قيعة جمع قاع و هو الواسع من الأرض المنبسطة و فيه يكون السراب و لجة البحر معظمه الذي يتراكب أمواجه فلا يرى ساحله و التج البحر التجاجا.

المعنى

ثم ذكر سبحانه مثل الكفار فقال «و الذين كفروا أعمالهم» التي يعملونها و يعتقدون أنها طاعات «كسراب بقيعة» أي كشعاع بأرض مستوية «يحسبه الظمآن ماء» أي يظنه العطشان ماء «حتى إذا جاءه لم يجده شيئا» أي حتى إذا انتهى إليه رأى أرضا لا ماء فيها و هو قوله «لم يجده شيئا» أي شيئا مما حسب و قدر فكذلك الكافر يحسب ما قدم من عمله نافعا و أن له عليه ثوابا و ليس له ثواب «و وجد الله عنده فوفاه حسابه» قيل معناه و وجد

الله عند عمله فجازاه على كفره و هذا في الظاهر خبر عن الظمآن و المراد به الخبر عن الكفار و لكن لما ضرب الظمآن مثلا للكفار جعل الخبر عنه كالخبر عنهم و المعنى وجد أمر الله و وجد جزاء الله و قيل معناه وجد الله عنده بالمرصاد فأتم له جزاه «و الله سريع الحساب» لا يشغله حساب عن حساب فيحاسب الجميع على أفعالهم في حالة واحدة و سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) كيف يحاسبهم في حالة واحدة فقال كما يرزقهم في حالة واحدة و قيل إن المراد به عتبة بن ربيعة كان يلتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام عن مقاتل ثم ذكر مثلا آخر لأعمالهم فقال «أو كظلمات» أي أو أفعالهم مثل ظلمات «في بحر لجي» أي عظيم اللجة لا يرى ساحله و قيل هو العميق الذي يبعد عمقه عن ابن عباس «يغشاه موج» أي يعلو ذلك البحر اللجي موج «من فوقه موج» أي فوق ذلك الموج موج «من فوقه سحاب» أي من فوق الموج سحاب «ظلمات بعضها فوق بعض» يعني ظلمة البحر و ظلمة الموج و ظلمة السحاب و المعنى أن الكافر يعمل في حيرة و لا يهتدي لرشده فهو من جهله و حيرته كمن هو في هذه الظلمات لأنه من عمله و كلامه و اعتقاده متقلب في ظلمات و روي عن أبي أنه قال إن الكافر يتقلب في خمس ظلمات كلامه ظلمة و عمله ظلمة و مدخله ظلمة و مخرجه ظلمة و مصيره يوم القيامة إلى ظلمة و هي النار «إذا أخرج يده لم يكد يراها» اختلف في معناه فقيل لا يراها و لا يقارب رؤيتها فهو نفي للرؤية و عن مقاربة الرؤية لأن دون هذه الظلمة لا يرى فيها عن الحسن و أكثر المفسرين و يدل عليه قول ذي الرمة

إذا غير الناي المحبين لم يكد      على كل حال حب مية يبرح و يروى
رسيس الهوى من حب مية يبرح و قال آخر      ما كدت أعرف إلا بعد إنكاري

و قال الفراء كاد صلة و المعنى أنه لم يرها و قيل لا يراها إلا بعد جهد و مشقة رؤية تخيل لصورتها لأن حكم كاد إذا لم يدخل عليها حرف نفي أن تكون نافية و إذا دخلها دلت على أن يكون الأمر وقع بعد بطء عن المبرد «و من لم يجعل الله له نورا فما له من نور» أي من يجعل الله له نجاة و فرجا فما له من نجاة و قيل و من لم يجعل الله له نورا في القيامة فما له من نور.

العودة إلى القائمة

التالي