الميزان في تفسير القرآن

سورة النساء

23 - 28

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ الَّلاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ الَّلاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ الَّلاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (23) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24) وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (25) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا (28)

بيان

آيات محكمة تعد محرمات النكاح و ما أحل من نكاح النساء، و الآية السابقة عليها المبينة لحرمة نكاح ما نكح الآباء و إن كانت بحسب المضمون من جملتها إلا أن ظاهر سياقها لما كان من تتمة السياق السابق أوردناها في جملة الآيات السابقة مع كونها بحسب المعنى ملحقة بها. و بالجملة جملة الآيات متضمنة لبيان كل محرم نكاحي من غير تخصيص أو تقييد، و هو الظاهر من قوله تعالى بعد تعداد المحرمات: و أحل لكم ما وراء ذلكم الآية، و لذلك لم يختلف أهل العلم في الاستدلال بالآية على حرمة بنت الابن و البنت و أم الأب أو الأم و كذا على حرمة زوجة الجد بقوله تعالى: و لا تنكحوا ما نكح آباؤكم الآية، و به يستفاد نظر القرآن في تشخيص الأبناء و البنات بحسب التشريع على ما سيجيء إن شاء الله.

قوله تعالى: «حرمت عليكم أمهاتكم و بناتكم و أخواتكم و عماتكم و خالاتكم و بنات الأخ و بنات الأخت» هؤلاء هن المحرمات بحسب النسب و هي سبعة أصناف، و الأم من اتصل إليها نسب الإنسان بالولادة كمن ولدته من غير واسطة أو بواسطة، كوالدة الأب أو الأم فصاعدة، و البنت من اتصل نسبها بالإنسان بسبب ولادتها منه كالمولودة من صلبه بلا واسطة، و كبنت الابن و البنت فنازلة و الأخت من اتصل نسبها بالإنسان من جهة ولادتهما معا من الأب أو الأم أو منهما جميعا بلا واسطة، و العمة أخت الأب و كذا أخت الجد من جهة الأب أو الأم، و الخالة أخت الأم، و كذا أخت الجدة من جهة الأب أو الأم.

و المراد بتحريم الأمهات و ما يتلوها من الأصناف حرمة نكاحهن على ما يفيده الإطلاق من مناسبة الحكم و الموضوع، كما في قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة و الدم: «المائدة: 3» أي أكلهما، و قوله تعالى: فإنها محرمة عليهم: «المائدة: 26» أي سكنى الأرض، و هذا مجاز عقلي شائع، هذا.

و لكنه لا يلائم ما سيأتي من قوله تعالى: «إلا ما ملكت أيمانكم» فإنه استثناء من الوطء دون علقة النكاح على ما سيجيء، و كذا قوله تعالى: أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين على ما سيجيء، فالحق أن المقدر هو ما يفيد معنى الوطء دون علقة النكاح، و إنما لم يصرح تأدبا و صونا للسان على ما هو دأب كلامه تعالى.

و اختصاص الخطاب بالرجال دون أن يقال: حرم عليهن أبناؤهن «إلخ»، أو يقال مثلا: لا نكاح بين المرأة و ولدها «إلخ»، لما أن الطلب و الخطبة بحسب الطبع إنما يقع من جانب الرجال فحسب.

و توجيه الخطاب إلى الجمع مع تعليق الحرمة بالجمع كالأمهات و البنات «إلخ»، تفيد الاستغراق في التوزيع، أي حرمت على كل رجل منكم أمه و بنته، إذ لا معنى لتحريم المجموع على المجموع، و لا لتحريم كل أم و بنت لكل رجل مثلا على كل رجل لأوله إلى تحريم أصل النكاح، فمآل الآية إلى أن كل رجل يحرم عليه نكاح أمه و بنته و أخته «إلخ».

قوله تعالى: «و أمهاتكم اللاتي أرضعنكم و أخواتكم من الرضاعة» شروع في بيان المحرمات بالسبب، و هي سبع ست منها ما في هذه الآية، و سابعتها ما يتضمنه قوله: و لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الآية.

و الآية بسياقها تدل على جعل الأمومة و البنوة بين المرأة و من أرضعته و كذا الإخوة بين الرجل و أخته من الرضاعة حيث أرسل الكلام فيها إرسال المسلم فالرضاعة تكون الروابط النسبية بحسب التشريع، و هذا مما يختص بالشريعة الإسلامية على ما ستجيء الإشارة إليه.

و قد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما رواه الفريقان أنه قال: إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب و لازمه أن تنتشر الحرمة بالرضاع فيما يحاذي محرمات النسب من الأصناف، و هي الأم و البنت و الأخت و العمة و الخالة و بنت الأخ و بنت الأخت، سبعة أصناف.

و أما ما به يتحقق الرضاع و ما له في نشره الحرمة من الشرائط من حيث الكم و الكيف و المدة و ما يلحق بها من الأحكام فهو مما يتبين في الفقه، و البحث فيه خارج عن وضع هذا الكتاب، و أما قوله: و أخواتكم من الرضاعة فالمراد به الأخوات الملحقة بالرجل من جهة إرضاع أمه إياها بلبن أبيه و هكذا.

قوله تعالى: «و أمهات نسائكم» سواء كانت النساء أي الأزواج مدخولا بهن أو غير مدخول بهن فإن النساء إذا أضيفت إلى الرجال دلت على مطلق الأزواج، و الدليل على ذلك التقييد الآتي في قوله تعالى: من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن الآية.

قوله تعالى: «و ربائبكم اللاتي في حجوركم» إلى قوله: «فلا جناح عليكم» الربائب جمع الربيبة و هي بنت زوجة الرجل من غيره لأن تدبير أمر من مع المرأة من الولد إلى زوجها فهو الذي يربها و يربيها في العادة الغالبة و إن لم يكن كذلك دائما.

و كذلك كون الربيبة في حجر الزوج أمر مبني على الغالب و إن لم يجر الأمر عليه دائما، و لذلك قيل: إن قوله: اللاتي في حجوركم قيد مبني على الغالب فالربيبة محرمة سواء كانت في حجر زوج أمها أو لم يكن، فالقيد توضيحي لا احترازي.

و من الممكن أن يقال: إن قوله: اللاتي في حجوركم، إشارة إلى ما يستفاد من حكمة تشريع الحرمة في محرمات النسب و السبب على ما سيجيء البحث عنه، و هو الاختلاط الواقع المستقر بين الرجل و بين هؤلاء الأصناف من النساء و المصاحبة الغالبة بين هؤلاء في المنازل و البيوت فلو لا حكم الحرمة المؤبدة لم يمكن الاحتراز من وقوع الفحشاء بمجرد تحريم الزنا على ما سيجيء بيانه.

فيكون قوله: «اللاتي في حجوركم» مشيرا إلى أن الربائب لكونهن غالبا في حجوركم و في صحابتكم تشارك سائر الأصناف في الاشتمال على ملاك التحريم و حكمته.

و كيفما كان ليس قوله: اللاتي في حجوركم قيدا احترازيا يتقيد به التحريم حتى تحل الربيبة لرابها إذا لم تكن في حجره كالبنت الكبيرة يتزوج الرجل بأمها، و الدليل على ذلك المفهوم المصرح به في قوله تعالى: «فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم» حيث ذكر فيه ارتفاع قيد الدخول لكون الدخول دخيلا في التحريم، و لو كان الكون في الحجور مثله لكان من اللازم ذكره، و هو ظاهر.

و قوله: فلا جناح عليكم أي في أن تنكحوهن حذف إيثارا للاختصار لدلالة السياق عليه.

قوله تعالى: «و حلائل أبنائكم الذين من أصلابكم» الحلائل جمع حليلة قال في المجمع: و الحلائل جمع الحليلة، و هي بمعنى محللة مشتقة من الحلال و الذكر حليل، و جمعه أحلة كعزيز و أعزة سميا بذلك لأن كل واحدة منهما يحل له مباشرة صاحبه، و قيل هو من الحلول لأن كل واحد منهما يحال صاحبه أي يحل معه في الفراش، انتهى.

و المراد بالأبناء من اتصل بالإنسان بولادة سواء كان ذلك بلا واسطة أو بواسطة ابن أو بنت، و تقييده بقوله: «الذين من أصلابكم» احتراز عن حليلة من يدعى ابنا بالتبني دون الولادة.

قوله تعالى: «و أن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف» المراد به بيان تحريم نكاح أخت الزوجة ما دامت الزوجة حية باقية تحت حبالة الزوجية فهو أوجز عبارة و أحسنها في تأدية المراد، و إطلاق الكلام ينصرف إلى الجمع بينهما في النكاح في زمان واحد، فلا مانع من أن ينكح الرجل إحدى الأختين ثم يتزوج بالأخرى بعد طلاق الأولي أو موتها و من الدليل عليه السيرة القطعية بين المسلمين المتصلة بزمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

و أما قوله: «إلا ما قد سلف» فهو كنظيره المتقدم في قوله: «و لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف» ناظر إلى ما كان معمولا به بين عرب الجاهلية من الجمع بين الأختين، و المراد به بيان العفو عما سلف من عملهم بالجمع بين الأختين قبل نزول هذه الآية دون ما لو كان شيء من ذلك في زمان النزول بنكاح سابق فإن الآية تدل على منعه لأنه جمع بين الأختين بالفعل كما يدل عليه أيضا ما تقدم نقله من أسباب نزول قوله: «و لا تنكحوا ما نكح آباؤكم» الآية حيث فرق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد نزول الآية بين الأبناء و بين نساء آبائهم مع كون النكاح قبل نزول الآية.

و رفع التحريم - و هو الجواز - عن نكاح سالف لا يبتلى به بالفعل، و العفو عنه من حيث نفس العمل المنقضي و إن كان لغوا لا أثر له لكنه لا يخلو عن الفائدة من حيث آثار العمل الباقية بعده كطهارة المولد و اعتبار القرابة مع الاستيلاد و نحو ذلك.

و بعبارة أخرى لا معنى لتوجيه الحرمة أو الإباحة إلى نكاح سابق قد جمع بين الأختين إذا ماتتا مثلا أو ماتت إحداهما أو حل الطلاق بهما أو بإحداهما لكن يصح رفع الإلغاء و التحريم عن مثل هذا النكاح باعتبار ما استتبعه من الأولاد من حيث الحكم بطهارة مولدهم، و وجود القرابة بينهم و بين آبائهم المولدين لهم و سائر قرابات الآباء، المؤثر ذلك في الإرث و النكاح و غير ذلك.

و على هذا فقوله: «إلا ما قد سلف» استثناء من الحكم باعتبار آثاره الشرعية لا باعتبار أصل تعلقه بعمل قد انقضى قبل التشريع و من هنا يظهر أن الاستثناء متصل لا منقطع كما ذكره المفسرون.

و يمكن أن يرجع الاستثناء إلى جميع الفقرات المذكورة في الآية من غير أن يختص بقوله: «و أن تجمعوا بين الأختين» فإن العرب و إن كانت لا ترتكب من هذه المحرمات إلا الجمع بين الأختين، و لم تكن تقترف نكاح الأمهات و البنات و سائر ما ذكرت في الآية إلا أن هناك أمما كانت تنكح أقسام المحارم كالفرس و الروم و سائر الأمم المتمدنة و غير المتمدنة يوم نزول الآيات على اختلافهم فيه، و الإسلام يعتبر صحة نكاح الأمم غير المسلمة الدائر بينهم على مذاهبهم فيحكم بطهارة مولدهم، و يعتبر صحة قرابتهم بعد الدخول في دين الحق، هذا، لكن الوجه الأول أظهر.

قوله تعالى: «إن الله كان غفورا رحيما» تعليل راجع إلى الاستثناء، و هو من الموارد التي تعلقت فيها المغفرة بآثار الأعمال في الخارج دون الذنوب و المعاصي.

قوله تعالى: «و المحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم» المحصنات بفتح الصاد اسم مفعول من الإحصان و هو المنع، و منه الحصن الحصين أي المنيع يقال: أحصنت المرأة إذا عفت فحفظت نفسها و امتنعت عن الفجور، قال تعالى: التي أحصنت فرجها: «التحريم: 12» أي عفت و يقال: أحصنت المرأة - بالبناء للفاعل و المفعول - إذا تزوجت فأحصن زوجها أو التزوج إياها من غير زوجها، و يقال: أحصنت المرأة إذا كانت حرة فمنعها ذلك من أن يمتلك الغير بضعها أو منعها ذلك من الزنا لأن ذلك كان فاشيا في الإماء.

و الظاهر أن المراد بالمحصنات في الآية هو المعنى الثاني أي المتزوجات دون الأول و الثالث لأن الممنوع المحرم في غير الأصناف الأربعة عشر المعدودة في الآيتين هو نكاح المزوجات فحسب فلا منع من غيرها من النساء سواء كانت عفيفة أو غيرها، و سواء كانت حرة أو مملوكة فلا وجه لأن يراد بالمحصنات في الآية العفائف مع عدم اختصاص حكم المنع بالعفائف ثم يرتكب تقييد الآية بالتزويج، أو حمل اللفظ على إرادة الحرائر مع كون الحكم في الإماء أيضا مثلهن ثم ارتكاب التقييد بالتزويج فإن ذلك أمر لا يرتضيه الطبع السليم.

فالمراد بالمحصنات من النساء المزوجات و هي التي تحت حبالة التزويج، و هو عطف على موضع أمهاتكم، و المعنى: و حرمت عليكم كل مزوجة من النساء ما دامت مزوجة ذات بعل.

و على هذا يكون قوله: «إلا ما ملكت أيمانكم» رفعا لحكم المنع عن محصنات الإماء على ما ورد في السنة أن لمولى الأمة المزوجة أن يحول بين مملوكته و زوجها ثم ينالها عن استبراء ثم يردها إلى زوجها.

و أما ما ذكره بعض المفسرين أن المراد بقوله: «إلا ما ملكت أيمانكم» إلا ما ملكت أيمانكم بالنكاح أو بملك الرقبة من العفائف فالمراد بالملك ملك الاستمتاع و التسلط على المباشرة ففيه أولا أنه يتوقف على أن يراد بالمحصنات العفائف دون المزوجات و قد عرفت ما فيه، و ثانيا أن المعهود من القرآن إطلاق هذه العبارة على غير هذا المعنى، و هو ملك الرقبة دون التسلط على الانتفاع و نحوه.

و كذا ما ذكره بعض آخر أن المراد بما ملكته الأيمان الجواري المسبيات إذا كن ذوات أزواج من الكفار، و أيد ذلك بما روي عن أبي سعيد الخدري: أن الآية نزلت في سبي أوطاس حيث أصاب المسلمون نساء المشركين، و كانت لهن أزواج في دار الحرب فلما نزلت نادى منادي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن و لا غير الحبالى حتى يستبرأن.

و فيه مضافا إلى ضعف الرواية أن ذلك تخصيص للآية من غير مخصص، فالمصير إلى ما ذكرناه.

قوله تعالى: «كتاب الله عليكم» أي الزموا حكم الله المكتوب المقضي عليكم و قد ذكر المفسرون أن قوله: «كتاب الله عليكم» منصوب مفعولا مطلقا لفعل مقدر، و التقدير: كتب الله كتابا عليكم ثم حذف الفعل و أضيف المصدر إلى فاعله و أقيم مقامه، و لم يأخذوا لفظ عليكم اسم فعل لما ذكره النحويون أنه ضعيف العمل لا يتقدم معموله عليه، هذا.

قوله تعالى: «و أحل لكم ما وراء ذلكم» ظاهر التعبير بما الظاهرة في غير أولي العقل، و كذا الإشارة بذلكم الدال على المفرد المذكر، و كذا قوله بعده: أن تبتغوا بأموالكم، أن يكون المراد بالموصول و اسم الإشارة هو المقدر في قوله: حرمت عليكم أمهاتكم، المتعلق به التحريم من الوطء و النيل أو ما هو من هذا القبيل، و المعنى: و أحل لكم من نيلهن ما هو غير ما ذكر لكم، و هو النيل بالنكاح في غير من عد من الأصناف الخمسة عشر أو بملك اليمين، و حينئذ يستقيم بدلية قوله: أن تبتغوا بأموالكم، من قوله: و أحل لكم ما وراء ذلكم كل الاستقامة.

و قد ورد عن المفسرين في هذه الجملة من الآية تفاسير عجيبة كقول بعضهم: إن معنى قوله: «و أحل لكم ما وراء ذلكم»: أحل لكم ما وراء ذات المحارم من أقاربكم، و قول بعض آخر: إن المراد: أحل لكم ما دون الخمس و هي الأربع فما دونها أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح، و قول بعض آخر: إن المعنى أحل لكم ما وراء ذلكم مما ملكت أيمانكم، و قول بعض آخر: معناها أحل لكم ما وراء ذات المحارم و الزيادة على الأربع أن تبتغوا بأموالكم نكاحا أو ملك يمين.

و هذه وجوه سخيفة لا دليل على شيء منها من قبل اللفظ في الآية، على أنها تشترك في حمل لفظة ما في الآية على أولي العقل، و لا موجب له كما عرفت آنفا، على أن الآية في مقام بيان المحرم من نيل النساء من حيث أصناف النساء لا من حيث عدد الأزواج فلا وجه لتحميل إرادة العدد على الآية، فالحق أن الجملة في مقام بيان جواز نيل النساء فيما سوى الأصناف المعدودة منهن في الآيتين السابقتين بالنكاح أو بملك اليمين.

قوله تعالى: «أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين» بدل أو عطف بيان من قوله: «ما وراء ذلكم» يتبين به الطريق المشروع في نيل النساء و مباشرتهن، و ذلك أن الذي يشمله قوله: «و أحل لكم ما وراء ذلكم» من المصداق ثلاثة: النكاح و ملك اليمين و السفاح و هو الزنا فبين بقوله: «أن تبتغوا بأموالكم» إلخ، المنع عن السفاح و قصر الحل في النكاح و ملك اليمين ثم اعتبر الابتغاء بالأموال و هو في النكاح المهر و الأجرة - ركن من أركانه - و في ملك اليمين الثمن - و هو الطريق الغالب في تملك الإماء - فيئول معنى الآية إلى مثل قولنا: أحل لكم فيما سوى الأصناف المعدودة أن تطلبوا مباشرة النساء و نيلهن بإنفاق أموالكم في أجرة المنكوحات من النساء نكاحا من غير سفاح أو إنفاقها في ثمن الجواري و الإماء.

و من هنا يظهر أن المراد بالإحصان في قوله: «محصنين غير مسافحين» إحصان العفة دون إحصان التزوج و إحصان الحرية فإن المراد بابتغاء الأموال في الآية أعم مما يتعلق بالنكاح أو بملك اليمين و لا دليل على قصرها في النكاح حتى يحمل الإحصان على إحصان التزوج، و ليس المراد بإحصان العفة الاحتراز عن مباشرة النساء حتى ينافي المورد بل ما يقابل السفاح أعني التعدي إلى الفحشاء بأي وجه كان بقصر النفس في ما أحل الله، و كفها عما حرم الله من الطرق العادية في التمتع المباشري الذي أودع النزوع إليه في جبلة الإنسان و فطرته.

و بما قدمناه يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أن قوله «أن تبتغوا بأموالكم»، بتقدير لام الغاية أو ما يؤدي معناها، و التقدير لتبتغوا، أو إرادة أن تبتغوا.

و ذلك أن مضمون قوله: أن تبتغوا، بوجه عين ما أريد بقوله: «ما وراء ذلكم» لا أنه أمر مترتب عليه مقصود لأجله، و هو ظاهر.

و كذا ما يظهر من كلام بعضهم: أن المراد بالمسافحة مطلق سفح الماء و صبه من غير أن يقصد به الغاية التي وضع الله سبحانه هذه الداعية الشهوية الفطرية في الإنسان لأجلها، و هي غرض تكوين البيت و إيجاد النسل و الولد، و بالمقابلة يكون الإحصان هو الازدواج الدائم الذي يكون الغرض منه التوالد و التناسل، هذا.

و إني لست أرى هذا القائل إلا أنه اختلط عليه طريق البحث فخلط البحث في ملاك الحكم المسمى بحكمة التشريع بالبحث عن نفس الحكم فلزمه ما لا يسعه الالتزام به من اللوازم.

يتبع...

العودة إلى القائمة

التالي